أحمد سالم
في واحدة من حلقات أحد برامج المواهب الأمريكية، صعدت على المسرح مطربة نحيلة مقصوصة الشعر، غنت أغنية من تأليفها بعنوان: لا بأس، أنت بخير.
استغرب المحكمون من وجودها هنا، ومن الأغنية؛ نظرًا لكونها وقتها كانت مريضة بعدة سرطانات مميتة، وتوفيت بالفعل بعد هذه الحلقة بسنوات قليلة.
أجابت عن تعجبهم بجملة جميلة: لا بد أن يعرف العالم أني أكثر من الأشياء السيئة التي تحصل لي.
الإنسان أكبر من مجموع آلامه، أكبر من محنه، لا ينبغي أن يكون تعريفه هو أنه مريض أو أنه متألم أو أنه يعاني، هذه كلها تجارب تمر به، لكنه يمر بها وبغيرها ويستجيب للجميع استجابة تليق به.
تعجب الكثيرون من صورة أهل غزة على شاطيء البحر بعد يوم واحد من انحسار غير كامل للعدوان.
هي نفس الفكرة، أنا أنسان أتألم وفي الوقت نفسه لدي القدرة على أن ألتقط البهجة من وسط الألم؛ لأن الله أبدع خلقًا باهى به ملائكته ولا يُنتظر من هذا الخلق أقل من هذا.
مقتطفات أخرى
مهم:
بسم الله والحمد لله:
من الأخطاء الشائعة، توهم الناس أن كل مصيبة تقع بهم فهي عقوبة على ذنب فعلوه، أو سؤالهم، متى تكون المصيبة عقوبة، ومتى تكون رفعة للدرجات وتكفيرًا للذنوب.
وكل ذلك خطأ في فهم أصل المسألة، وبيانها:
أن محكم التنزيل يقضي بأنه: {ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}.
ومعنى هذه الآية: أنه ما كان مصيبة فهو ذنب؛ إما ذنب قبله أوجبه، وإما ذنب بعده بعدم الصبر عليه، فهذا هو الذنب المتعلق بالمصيبة، ليس نوعًا واحدًا وهو ما ارتكبته من قبل.
ولا يستطيع العبد أن يميز بين هذين وإنما واجبه أن يستصحب الاستغفار والصبر والشكر في جميع أحواله، فيخشى ذنبه ويرجو رحمة ربه ويشكره على ما فتحه له من أبواب الصبر والخير.
يقول شيخ الإسلام في نص مهم جدًا: ما يصيب العبد من الألم، إما أن يكون بِفِعْلِه: بسبب يفعله، أو بسبب يعلمه، أم لا.
فالأول: هي الذنوب.
والثاني: إما أن يصبر أو لا.
فإن صبر كان ذلك الألمُ في حقه سببًا لمصلحته في الدنيا والآخرة، وإن لم يصبر، كان ترك الصبر ذنبًا، فكان السرُّ من ذنبه أيضًا.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي مرفوعًا: ((لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرًا، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له)).
فبيّن صلى الله عليه وسلم أن السراء بالشكر تصير خيرًا، وأن الضراء بالصبر تصير خيرًا، ولهذا كان المبتلى بكائنةٍ ما كانت يُكفَّر بها من خطاياه، فأيتها عقوبة وجزاء، ولا ثواب في نفس المصيبة، فإنها من فعل الله كما جاء ذلك في أحاديث متعددة.
لكن إذا صبر عليها أثيبَ على صبره، وإن جَزِعَ عوقب على جَزَعِه.
فما كان مصيبة فهو ذنب؛ إما ذنب قبله أوجبه، وإما ذنب بعده بعدم الصبر عليه.
وأما ما اقترن به صبرٌ ولم يكن قبلَه ذنب، فليس هذا من المصائب؛ بل هو بمنزلة الجهاد والصيام وسائر الأعمال التي تحتاج إلى صبر)).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((ليس كل إنعام كرامة ولا كل امتحان عقوبة)).
نعم. ليس كل امتحان أو ابتلاء يكون عقوبة على ذنب، والإسراف في تقريع الناس في الكوارث والمحن بأن ذلك من ذنوبهم فوق أنه قول على الله بغير علم= ففيه من فقد التراحم والتعاطف والدعم والتعزية والمواساة ما يكشف عن الجهل أو قسوة القلب أو كليهما.
تخيل أن رجلًا مات ولده فذهبت وقمت عند أذنيه فقلت له: هذا البلاء بسبب ذنوبك!
هذا في الحقيقة هو واقع كثير من الناس الذين يضعون الحق في غير موضعه وهم مع وضعهم إياه في غير موضعه قد خلطوه بالباطل أيضًا، فلم يُراعوا المقامات، ولا ب(ماذا) يخاطبون (من).
إنا لله وإنا إليه راجعون، أعان الله المبتلين من إخواننا المسلمين في هذه المحنة الكبرى التي يمرون بها، وثبتهم وألهمهم الصبر وكشف عنهم الضر، وإن من أضر الضراء تكلم أناس بغير علم قد تسلطوا على إخوانهم بالأذى، ولم يهدهم الله إلى الطيب من القول.
الخطاب العام في المحن والأزمات الكبرى يكون بتعزية المبتلين وبمواساتهم وليس بتقريعهم أو القضاء العام عليهم مع اختلاف مراتبهم أنهم أصحاب ذنوب كان هذا البلاء بالذات عقابًا لهم؛ فهذا لا سلطان لأحد يعلمه به، ومسارعة النفوس إليه مع اتساع مجال التعزية والمواساة والتراحم والتعاطف؛ يكاد يكشف عن طوية نفس لا تعرف للرحمة لسانًا.
للدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في مقدمته لكتاب اليهود أنثروبولوجيًا لجمال حمدان= نص جميل في شجب الكتابة الأكاديمية منزوعة الهم القيمي والرسالي، الكتابة الباردة التي تتخذ البحث العلمي وسيلة وغاية، وليس وسيلة تدور في فلك غايات قيمية ورسالية أكبر منها.
هذا المعنى عظيم جدًا، وغياب الغاية القيمية والبعد الرسالي هو أحد التفسيرات المهمة لوجود تضخم في البحوث والدراسات الإسلامية دون انعكاس على واقع المجتمعات بل وحتى دون انعكاس على واقع أولئك الباحثين.
من جهة أخرى: يتم توظيف الرسالية وضرورة توفرها وتوفر المحيط القيمي كفضاء ضروري للعمل البحثي= يتم توظيف ذلك كشعار يُداري كون الباحث مجرد مثقف تيار، يدعم تحيزات وتوجهات هذا التيار أو التنظيم بكتابته، لا يختلف كثيرًا عن أي مثقف سلطة يدعم توجهات وتحيزات تلك السلطة عن طريق طيلسان البحث العلمي.
وتقوم هذه الفئة الأخيرة بتوجيه تهمة غياب البعد الرسالي لكل من يكتب بموضوعية علمية يحاول فيها القيام بالقسط ولو على نفسه وعلى من يشاركه الانتماء الإسلامي العام، لكنهم في نظر الباحث الموضوعي يقعون في تحيزات فاسدة وتحريرات غير عادلة لمذاهب خصومهم ودعم غير علمي للحجج التي تؤيد مذاهبهم هم.
والذي أريد تلخيصه هنا:
الرسالية ليست ضدًا للموضوعية التي تتحرى التنزه عن التحيز المذموم، الرسالية هي وجود فضاء قيمي يشكل الغاية التي يكون البحث الجزئي خادمًا لها، وهذا الفضاء القيمي ليس له طيلسان لا بد من لبسه قبل كل كتابة بحثية، بل يكفي وجود قرائن الانتماء لهذا الفضاء القيمي، ولو في الحال العام للشخص نفسه، خاصة والبحوث العلمية الدقيقة يصعب أن تُطلى بالحرارة العاطفية التي يجعلها مثقفو التنظيمات علامة الرسالية.
والموضوعية ليست هي التجرد من العاطفة الإيمانية بالمرة، وجمود الباحث وتجرده في كل سياقاته المعرفية من قرائن الانتماء لثابت يؤمن بوجوب لتحيز إليه، فحتى البحث الاستشراقي الذي يوهمك ببرودته الوضوعية هو في حقيقته خادم لفضاء قيمي لكن الحاذق منهم يُحسن مداراة ذلك أو ربما لا يعي أنه يقوم بتلك الخدمة.
وليس يعيب الباحث أن يتجرد في بحثه معرفة وبيانًا حتى لا تكاد يتحدد انتماؤه الثابت= بل هذا مما لا بد منه (أحيانًا قد تكثر) في ظل زحمة التحيز الفاسد التي نعاني منها خاصة في الأوساط الإسلامية، وإنما الذي يعيبه ان تكون هذه هي حالته العامة في كل مقامته المعرفية والبيانية حتى يتجمد انتماؤه القيمي في برودة الأكاديميا التي يقول عنها المسيري في نصه المشار إليه: تتحرك فى عالم خال من أى هموم إنسانية حقيقية – عالم خال من نبض الحياة: رمادية كالحة هى هذه المعرفة الأكاديمية، وذهبية خضراء هى شجرة المعرفة الحية المورقة.