أحمد سالم
مخالطة إلى حد التخمة الاجتماعية، ترهق نفسك وتستنزف روحك حتى يريك ضيقك أن الحل في اعتزال الناس، وليس أضر على العبد من انفراد الشيطان به فإنه يزين له سوء رأيه ويُفقده دعم المحبين ونصح الصادقين.
قبل أن تعود الروح فتسأم من انفراد لم يفطرها الله عليه، فإذا بلغ بها السأم مبلغه عادت جوعى للناس فتأكل منهم بشره حد التخمة مرة أخرى، وبين شقي الرحى هذين يفقد الإنسان ميزانه وتضطرب روحه ويضل السبيل.
احفظ هذا:
الأشياء، والأشخاص، والعلاقات، والأزمنة، والأمكنة التي تستخرج منك أحسن ما فيك، هي وحدها التي تستحق أن تسعى إليها، وتتمسك بها وأن تبذل فيها ولأجلها عمرك.
مقتطفات أخرى
يحسن الناس سؤال الألم والشر، ولا يحسنون سؤال النعمة والعافية.
يحسنون سؤال لماذا يختل الحال؟
لماذا لا تعمل كليتي بكفاءة؟
ولا يحسنون سؤال: ولماذا تعمل أصلًا بكفاءة؟
شيء يشبه التعامل مع الهاتف، أنت لا تسأل قط لماذا يعمل بكفاءة، تتحرك بالشكوى فقط عندما يتعطل الهاتف أو تسوء شبكة الاتصال.
تزور الطبيب عندنا يمرض جسدك، ولا يخطر ببالك غالبًا أن تعرف من تزور عندنا تكون سالمًا معافى، أن تسجد بين يدي ربك شاكرًا لأنعمه.
يقف خلف هذا شعور ملح بالاستحقاق، وهذا مفهوم جدًا في حالة الهاتف فأنت تدفع قيمة الخدمة وبالتالي مفهوم أن تنحصر حركتك في اتجاه الشموى عند وقوع الخلل.
لكن الحياة تختلف، والعالم يختلف، فكلاهما ليس مدينًا لك بشيء، ولا يجب على الله إلا ما أوجبه سبحانه على نفسه، ولم يوجب الله على نفسه أن يخلو العالم من الألم، بل طبيعة الخلق الإنساني مبنية على الابتلاء، ولا يمكن نزع الابتلاء لا عن العالم ولا عن التجربة الإنسانية.
ومع هذا دعنا نتفهم سخطك عند الألم، فلقد خلق الإنسان ضعيفًا، ولذلك فالله يعرف منه قابلية الذنب والخطأ وفتح له باب التوبة.
لكن غير المفهوم هو ضعف الامتنان وفقر الشكر، لماذا لا تسأل: لماذا تعمل كليتي بكفاءة، لماذا يهدر قلبي بلا توقف مدة عمري، لماذا تمر بي آلاف البكتيريا فتنفعني، لماذا تمر بي عشرات الفيروسات فيتعامل جسدي معها بكفاءة، لماذا توجد آلاف الفرص للحوادث فأنجو منها بلا حول مني ولا قوة.
كل طبيب يعلم أن الطبيعي جدًا والمفترض جدًا هو عكس كل هذا، وأن هذا العمل بكفاءة غير مفهوم، وجميع البدائل الصناعية لا تعمل بتلك الكفاءة ولا تعمل أصلًا سوى سنوات معدودة..
أنت ملك لربك، لا بد أن تعي هذه الحقيقة وتسلم لها، لا تستحق شيئًا إلا ما تفضل هو سبحانه فأعطاك إياه، هذا الخضوع والتسليم أحيانًا ما تأباه نفسك، ويستفزك الشيطان لتتخلق بأخلاقه فتظن أنك تستحق مكانة لم يعطها الله له فحسب أن معدن خلقه يوجب له رفعة على سائر الخلق.
أيها العبد المخلوق لست شيئًا إلا ما أراده الله لك وكرمك به فضع جبهتك على الأرض وقل: سبحان ربي الأعلى.
حين ترى الناس يدافعون دفاعًا محمومًا سواء عن أحبابهم أو عن الشخصيات التي تأثروا بها= ينصرف ذهنك مباشرة إلى أن الدافع الأساسي خلف هذا الدفاع هو حسن الظن وإرادة التثبت وتنزيه الشخص عن أن يُظلم وأن يُتهم بما ليس فيه.
وكل هذه الدوافع حقيقية بالطبع ولا تخلو منها حالة دفاع، لكن في الحقيقة هناك طبقة أخرى من الدوافع أبعد غورًا وأعمق أثرًا، ولو لم تنتبه إليها فلن تفهم كثيرًا من أحوال الناس في هذا الباب.
الدافع الأكثر عمقًا: هو أننا نعرف جيدًا أننا لا نحسن التصالح مع أخطاء من نحب، ونمثل في أنفسنا عصمتهم بلسان الحال لا المقال، نحن لا نُحسن المحبة على العيب، ولا القبول على النقص، ولا المصاحبة على الشعث؛ لأجل ذلك إذا عُرض علينا في الميزان أن نثبت الخطأ ونقبل المحبوب على خطئه ونقصه، أو أن ننزهه عن الخطأ ولو بالمكابرة للحجة والدفاع الأهوج والعصبية الخرقاء= فنحن نختار أن نستمر في هذا الدفاع الأعمى؛ لأننا لا نطيق حبيبًا يخطيء، أو شريفًا يذنب، حتى لو زعمنا ألف مرة أننا نقبل هذا، وأقررنا في الظاهر أن الناس لا يخلو أحدهم منه.
لأجل ذلك؛ لا تغتر بكثرة من حولك، ولا بالحشد الهائل الذين يظهرون لك المحبة والتقدير، لا تجحدهم حقهم واشكر صنيعهم، لكن لا تغتر بهم، فعما قليل لا يبقى لك منهم أحد، إن هي إلا انفراجة يسيرة في حجاب الستر فإذا هم جمع منقسم.
ثم يبقى لك نفر قليل من قليل، يقبلونك قد فتحوا لك قلوبًا ترجو من رحمة الله ما ترجو، ولا ترضى أن تكون عونًا للشيطان عليك، هؤلاء هم الناس، هؤلاء هم الناس.