أحمد سالم

أحمد سالم

المشاعر ليست هي عمل القلب وسلوكه.

وهذا هو الفرق الذي يؤدي الجهل به إلى فساد عظيم في العلاقة مع الذات ومع الله ومع الناس.

الشعور طارئ غير عمدي مؤقت غير راسخ، انفعالي لا رشد فيه، وعمل القلب نستحضره ولا يطرأ، ونقصد إليه فلا يفجأ، ونقدر على إدامته وترسيخه ويديره ذاك الضابط الخفي الذي أودعه الله عباده وسماه عقلًا وفقهًا وتدبرًا وتفكرًا ورشدًا.

أن تُظلم فيطرأ عليك الغضب ذاك شعور لا يد لك فيه، اقبله وافهمه وارحم نفسك التي خلقها الله ليبتليها، ولكنك إن قصدت إلى هذا الشعورفغذيته ورسخته كان من عمل القلب فإن لم يكن له موضع يرضاه الله فإنه عمل سوء إن استرسلت فيه ملكك ولم تملكه وفي هذا الأخير قال رسول الله: لا تغضب، ولم ينهانا هنا رسول الله عن الشعور الطارئ ولا عن الغضب الذي هو عمل قلبي يرضاه الله كالغضب من انتهاك محارم الله، وإنما نهانا عن غضب غير محبوب لله نقصده ونغذيه فيرسخ فيٌفسد.

أن تسمع خبر النار وعذابها فيتملكك خوف داهم، هذا شعور طارئ ليس هو الخوف الذي يحبه الله، فهذا إن استرسلت فيه قادك للقنوط من رحمة الله، وإنما الخوف الذي هو عمل القلب المحبوب لله فعل مقصود ينتج من المعرفة بالله الذي يرضى فينُعم و يتفضل فيغفر ويعدل فيعاقب.

يظلم الإنسان علاقته بذاته والناس إن أسلم قياد ذاته لمشاعره التي لم يفهمها ولم يتدبر فيها، ويظلم هذا الشعور إن رفضه ولم يقبله وقسا عليه، فإنما خلق الله الشعور لأنه أول العمل، فهو مولود ولد على الفطرة وينفعك أو يضرك بحسب ما تربيه أنت وتغذيه به.

 ويظلم الإنسان نفسه والناس إن غفل عن عمل القلب المقصود ودوره في مراقبته وتفعيله.

ويظلم الإنسان علاقته بربه إن ظن هلع النفس الضعيفة خوفًا يحبه الله، وإن ظن سطوة النفس الجهولة غضبًا يحبه الله، وإن سمى هوى نفسه الضعيفة رجاء في رحمة الله.

الشعور مولود يستهل صارخًا لا ترحمه إن كرهت صراخه، ولا تنفعه إن نفخت في صراخه فجعلته قائدًا وحاكمًا.

وعمل القلب هو ولدك قد غذيته وربيته فإن فعلت ذلك بما يرضي الله أنبته الله نباتًا حسنًا وإن كان غير ذلك فحاذر منه فإنه عمل غير صالح.

مشاركة

مقتطفات أخرى

قرأت لرجل من أهل العلم يرثي حاله كونه بلا أصحاب ينصرون رأيه، وقد كنت عاصرته وهو يضيع من بين يديه علاقته بأكثر أصحابه نصرة لرأيه، بعض بلائنا كسبته أيدينا.

اقرأ المزيد

فيما يقع للناس من بلاء، أو ما يقع عليهم من ظلم الناس لهم= قد يرضى الناس بقدر الله، والرضا مستحب، وضابط الرضا: ألا تطلب زوال ما بك ولا تحب زواله، وإن كنت تتألم منه.
وقد لا يقدر الناس على الرضا فيكفيهم الصبر وهو واجب، وضابط الصبر ألا تسخط أقدار الله، بقلبك أو لسانك أو جوارحك، بل ترى أن الله عدل معك ولم يظلمك، وتطلب فضله وأجره، ولا يعيبك أن تألم لما وقع بك ولا أن تطلب وتحب زواله.
ويباح لك أن تنتصر من ظالمك بالعدل.
ثم قد يقع من الناس حينها كف للسان واعتصام بالله من غير إظهار للألم أو دعاء بزوال البلاء، مع كونهم يحبونه، وقد يقع منهم التشكي من هذا الذي وقع بهم.
وضابط الشكوى: كل ما فيه إظهار الألم لما وقع بك أو محبة لزواله.
وضابط الشكوى المستحبة: أن تكون لله وهي مرتبة عبودية تنفع الصابرين وتعينهم.
وضابط الشكوى المباحة: أن تكون لمن ترجو منه من الناس مصلحة راجحة أو  نفعًا فيه علاج لما وقع بك أو إعانة على الصبر مأمونة المفسدة الراجحة.
وضابط الشكوى المذمومة: أن تكون للناس ليس منها فائدة من رجاء نفع يعالج ما وقع بك أو يعينك على الصبر عليه.
وليس من الشكوى: الذكر العارض الذي ليس فيه تألم، ولا يمنع هذا إلا إن كان معه كشف لستر أو إعانة على الوقيعة المحرمة في عرض من تشتكي منه.

قال شيخ الإسلام: والله تعالى ذكر في القرآن الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل.
وقد قيل: إن الهجر الجميل، وهو هجر بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا معاتبه، والصبر الجميل صبر بغير شكوى إلى المخلوق، ولهذا قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاوسا كان يكره انين المريض ويقول: إنه شكوى، فما أنَّ أحمد حتى مات.

اقرأ المزيد