أحمد سالم
📌 اِعلم أنه ليس من الزينة (الممنوعة) في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا بلون غير البياض أو السواد كما يتوهم بعض النساء الملتزمات وذلك لأمرين :
الأول : قوله صلى الله عليه وسلم: ((طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه)).
والآخر : جريان العمل من نساء الصحابة على ذلك وأسوق هنا بعض الآثار الثابتة في ذلك مما رواه الحافظ ابن أبي شيبة في المصنف:
عن إبراهيم وهو النخعي ((أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فيراهن في اللحف الحمر)) .
وعن ابن أبي مليكة قال : ((رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر)).
وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة) .وفي رواية عن القاسم : ((أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر وهي محرمة)).
وعن هشام عن فاطمة بنت المنذر ( أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة ).
وعن سعيد بن جبير : ((أنه رأى بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة)). الشيخ الألباني في جلباب المرأة المسلمة.
📌 وروى البخاري عن ابن جريج أخبرنا قال: ((أخبرني عطاء كنت آتي عائشة أنا وعبيد بن عمير وهي مجاورة في جوف ثبير. قلت وما حجابها؟ قال: هي في قبة تركية لها غشاء, وما بيننا وبينها غير ذلك. ورأيت عليها درعا موردا)).
📌وروى الإمام أحمد بن حنبل عن عائشة بنت سعد قالت: (كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يحرمن في المعصفرات).
📌 وفي سنن أبي داود وابن ماجة وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : (هبطنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنية فالتفت إلي وعلي ريطة مضرجة بالعصفر فقال: ما هذه الريطة عليك؟ فعرفت ما كره فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورا لهم فقذفتها فيه ثم أتيته من الغد فقال: يا عبد الله ما فعلت الريطة؟ فأخبرته فقال: ألا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس به للنساء.
📌 وقال ابن سعد أخبرنا حجاج بن نصير حدثنا علي بن المبارك قال حدثتنا أم شيبة قالت: ((رأيت على عائشة ثوبا معصفرا)).
*وقال : أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال حدثتنا أم نصر قالت:((حدثتنا معاذة قالت: رأيت على عائشة ملحفا معصفرا)).
📌 وروى أبو بكر أبي شيبة في المصنف عن يزيد بن هارون قال حدثنا إسماعيل عن أخته سكينة قالت: (( دخلت مع أبي على عائشة فرأيت عليها درعا أحمر وخمارًا أسود))
📌 وعن أسامة بن زيد كساني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال: ما لك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي فقال: "مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها.(وبالمناسبة فالمراد هنا أن يشف الثوب عن ما تحته وليس المراد منه الضيق والوسع كما فهم بعض أهل العلم).
والقبطية ثياب بيضاء، وفي الحديث: والله ما دلني عليه إلا بياضه على الفراش في سواد الليل كأنه قبطية ملقاة.
وكون البياض زينة لا يضر فالثياب من الزينة الظاهرة المأذون فيها للمرأة وذلك يشمل ألوانها، وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها لبس ما هو بلون الورد وقال البخاري: ولبست عائشة رضي الله عنها الثياب المعصفرة وهي محرمة، وقالت: لا تلثم ولا تتبرقع، ولا تلبس ثوبا بورس ولا زعفران... ولم تر عائشة بأسا بالحلي، والثوب الأسود، والمورد.
📌 وفي البخاري عن عكرمة: أن رفاعة طلق امرأته، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي، قالت عائشة: وعليها خمار أخضر.
📌 عن أنس رضي الله عنه أنه رأى على أم كلثوم رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم برد حرير سِيَراء.
أي فيه خطوط.
📌 وروى أبو داود عن ابن عمر مرفوعا : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساءَ في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مسَّ الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي أو سراويل أو قميص أو خُف .
📌 قال التهانوي : وفيه دلالة على جواز لبس المراة ما أحبت من الألوان.
مقتطفات أخرى
الأم تفتح درج الثلاجة ذات الباب الصدئ وتلقي نظرة :
-لا توجد طماطم یا عفاف .. اذهبي إلى السوق وهاتي لنا كيلو ..
توترت عفاف لأنها لم تعتد شراء أشياء.. لكنها كبرت ومن الواضح أن مسؤولية السوق سوف تنتقل إليها بالتدريج ..
الآن تتلقى التعليمات: لا بد من أن تسألي أكثر من بائع عن ثمن الكيلو.. لا تشتري من أول السوق بل توغلي بالداخل قليلاً لأن الأسعار أرخص.. لا تأخذي الكلام من فم البائع فلابد من الفصال..
سوف يسألك إن كانت الطماطم للطهي أم للسلطة.. اكذبي وقولي إنها للسلطة وإلا خدعك وأعطاك كل الطماطم التالفة عنده بدعوی أنها تنضج أسرع.. لتكن حمراء خالية من الثقوب والتشوهات..
اعرفي السعر جيداً...
هكذا غادرت عفاف الشقة وهي مفعمة بالمسؤولية والأسرار، وفي يدها الحقيبة المصنوعة من الليف المجدول، وهي تدل على مسؤولية عظيمة...
عفاف الصغيرة كانت تجوب السوق بحثاً عن طماطم بسعر أرخص ..
كانت تتلقى الدعوات من الجانبين، بينما هي تحاول الابتعاد عن برك الوحل وعن الكلاب الضالة، وتحرص على ألا تدهمها الدراجات ..
كانت هناك عربة كشري، وقد وقف البائع يقلب الكشري في أطباق معدنية صغيرة، مصراً على أن يقرع حافة الطبق بقوة بالملعقة.. يتحرك بسرعة فائقة ليوحي بالانهماك والاحتراف ، بينما وقف بعض الآكلين يلتهمون الكشري بسرعة لا لزوم لها..
بدت لها الرائحة شهية فعلاً .. لكنها كانت تدرك المسؤولية على عاتقها وأنه ليس بوسعها أن تتباطأ.. أمها تنتظر ..
كان هناك ذلك الرجل الغليظ البدين المشعر يرتدي جلبابا متسخاً، ويقف خلف طاولة عليها أشكال وأحجام من الطماطم.. لاحظت أن لديه عيناً تالفة، وأن هناك جرحاً تحت عينه اليسرى. هناك كشك من خلفه ومظلة عملاقة مثبتة بالحبال وكلب يغفو في الظل.. باختصار:
كل لوازم بيع الطماطم.
- تعالي خذي طماطم يا شاطرة.
لم تكن تريد الشراء من هنا بالذات، وكادت تبتعد لكنه قال باصرار:
- تعالي .. أنا أعرف ما تريدين .
حاولت الابتعاد، لكنه خرج من وراء الطاولة وأمسك بالحقيبة ذات الليف المجدول.. يبدو أن نظرة الباحثين عن طماطم مميزة ويبدو أنها مرسومة على وجهها.. في مكان ما من العالم أمة من المتلهفين على الطماطم.. وكلهم ينظرون ذات النظرة.
- هل تريدينها للطهي أم للسلطة؟
- للسلطة .
- طيب .
وحمل الحقيبة ودار حول الطاولة ليتجه إلى الكشك الخشبي :
- تعالي لتأخذي ماتریدین.
متوجسة اتجهت إلى حيث طلب منها وهي تشعر بأن هناك شيئاً خطأ .. عصام رأى المشهد حيث وقف على بعد أمتار، وقد قدر أن شيئاً شنيعاً يحدث ، لكن خياله لم يبلغ هذه الدرجة، كما أنه لم يعرف ما يفعله بالضبط ..
كان الكشك مظلماً قذراً، وثمة قطة راقدة تنظر إليها في شك..
قبل أن تخرج كان هو قد سد الكشك بجسده الضخم.. لم تفهم إلا أنه قبلها في شفتيها بنهم حتى أوشك أن يعضهما، وشمت رائحة أنفاسه الكريهة ولعابه.
ثم شعرت بتلك اليد الغليظة تمتد إلى صدرها الذي ما زال مسطحاً کالرخام وتعبث هنا وهناك.
استغرق هذا التعذيب نصف دقيقة، لكنها شعرت بأن عمراً کاملاً قد مر عليها هناك، وتساءلت إن كان هذا سينتهي أصلاً أم أنه مستمر إلى الأبد.. فتحت فمها لتصرخ..
هنا شعرت بذات اليد تجذبها خارج الكشك.. التقت عيناها بعصام للحظة فرأته ينظر إليها بقلق لا يقل عن قلقها..
اليد تقوم بتعبئة الطماطم في كفة الميزان كأن شيئاً لم يكن :
- کیلو یا شاطرة؟
ثم الطماطم توضع في كيس بلاستيكي. لم يطلب منها ثمناً كأنه نال أجره فعلاً. وبعد دقيقة كانت تبتعد مترنحة كأنها خارجة من حانة.. رأسها يدور ووعيها ليس على ما يرام.. لا تستوعب ما حدث.. ولاتعي أين هي بعد لحظات استجمعت الرؤی. عادت الصور تحمل معنی وعادت الأصوات تقول شيئاً ما.
فطنت إلى أنها تعرضت لاستغلال بشع.. لم تكن تفهم هذه الأمور، وبالتأكيد لم يكن الجنس ضمن مفردات عالمها.. لكنها فطنت إلى أنها اُستخدمت كشيء، وأن التجربة كانت مقرفة جداً..
صحيح أن الرجل قبلها وتحسس جسدها فقط، لكن هذا مقرف بما فيه الكفاية. وصمة.. عار.. يمكنها فهم هذا بالطريقة التي تفهمها طفلة في سنها. لا شك أن أنامله ستبقى ظاهرة على جلدها إلى الأبد...
مسحت آثار اللعاب عن شفتيها وخديها بكمها، وشعرت بأنها ترغب في القيء ..
اتجهت إلى جدار وراحت تبصق وتبصق وتبصق. فلما انتهت كانت قد تعلمت شيئاً عن نفسها: هي لا تترك حقها أبداً ولا تتنازل..
لقد عبث بها ذلك الحلوف لكنها تعرف كيف تنتقم..
ألقت بالطماطم على الأرض.. ثم عادت بخطوات ثابتة إلى الكشك الذي نصبت الطاولة أمامه.. وقفت من بعید تراقب الرجل وهو يزن الطماطم للزبائن ويبدو لطيفاً جداً.. تعرف هذا السلوك جيداً.. كانت زوجة خالها تشتمها وتزدريها فإذا ظهر خالها استحالت إلى ألطف كائن في الوجود. كان منهمكاً.. ينادي بضاعته في فخر، ويكوم أوراق المال في يده..
ثم إنه بدأ ينقل الطماطم من قفص كبير إلى قفص أصغر.. لهذا اضطر إلى أن يجلس القرفصاء على الأرض ويحني و رأسه..
في ثبات اتجهت عفاف إلى الميزان..
مدت يدها لتتناول سنجة ثقيلة لا بد أنها كانت تزن كيلو جراماً.. حملتها في ثبات واتجهت لتقف خلف الرجل وهو منهمك.
إما الآن وإما أن تضيع الفرصة للأبد ولسوف يفتك بك.
حملت السنجة بكلتا يديها ثم هوت بها على مؤخرة رأسه الخالية من الشعر... لا شك أنها ضربة غير قاتلة ولم تؤذه أو تحدث جرحاً ، لكنها بالتأكيد آلمته جداً.. وبالتأكيد ستكون هناك « بطحة » بارزة ترافقه عدة أيام.
صرخ.. وقبل أن ينظر إلى الخلف كانت تركض كالهر الصغير متوارية وسط الزحام.
سمعت صخباً وسمعت من يسبها بأنها ابنة الزانية، لكنها كانت تعرف أنهم لن يجدوها.. دعك من أن أحداً لا يعرفها هنا.
كانت تركض منتشية جداً، راضية عن نفسها، مع الكثير من التوتر..
لهذا كان قلبها الصغير يخفق كطبل، موشكاً على التوقف.
لم تكن لتخبر أباها أو أمها، لأنها كانت ستتلقى اللوم في كل الظروف.. «أنت المخطئة لأنك فعلت كذا وكذا ولم تفعلى كذا وكذا»..
لم تكن قد كونت خبرات عميقة عن الحياة، لكنها كانت تعرف أنها مخطئة في كل الظروف.. كان الانتقام مشكلتها هي وحدها.
وعندما خرجت من السوق أخيراً اتجهت إلى بائعة الطماطم الجالسة على قمة الشارع.. البائعة التي أنذرتها أمها من الشراء منها لأنها غالباً تبيع بسعر باهظ .
ابتاعت كيلو جراماً من الطماطم ثم ركضت مسرعة نحو البيت.
تُرى هل تركت أنامله وشفتاه أثراً عليها؟ هل ترى أمها ذلك؟ هل تراه في عينيها؟ ما تعرفه هو أنها لن تعود إلى هذه السوق أبداً بعد اليوم.
كان عصام يرتجف انفعالاً.. وقف أمام الجدار يحاول أن يقرأ الكلمة. السنجة.. هل كانت هذه هي لفظة « السنجة » تلك التي كتبتها على الجدار؟ هل ما زال المشهد القاسي يدميها حتى لحظة انتحارها؟ بل هو سبب انتحارها ؟ لن يعرف أبداً ...
عفاف الصغيرة - رواية السنجة
د. أحمد خالد توفيق
لا يمكننا من الناحية المنهجية أن نطالب الدراما بالصدقية التاريخية، لكن يمكننا من نفس الناحية المنهجية أن نبحث عن دوافع عدم الصدقية، هل هي الإغناء الدرامي فقط أم الرؤية الذاتية الحرة للكاتب والمخرج فقط أم الأيدولوجيا الفكرية والسياسية لدائرة أوسع تقف خلف العمل أو على الأقل تراقبه وتتسلط عليه؟
العبقري العظيم عبد السلام أمين، في مسلسلاته التاريخية فارق الصدقية التاريخية مرات كثيرة، لكن معظمها كان للإغناء الدرامي، ومرات نادرة هي تلك التي يمكنك أن تلمح سببًا غيرها.
العبقري الأعظم في نظري وليد سيف، هناك مفارقات للصدق هدفها الإغناء الدرامي لكن هناك مفارقات للأيدولوجيا أيضًا، بمكنك أن ترى ذلك في مسلسل صلاح الدين من خلال: التلميع الرومانسي للخليفة الفاطمي العاضد، وكذلك طمر دور الجيش المصري في فتح حطين (ومكانش دور كبير الحقيقة) وهاتان الخطوتان كانا بتأثير الأيديولوجيا النصيرية التي أنتج المسلسل في ظلها.
مسلسل عمر الذي أنتجته (MBC) دراما لخدمة المرقعة التنويرية وتصوراتها عن الإسلام ودوره كدين، قارنه بعمر بن عبد العزيز لتعلم لماذا قلت إن عبد السلام أمين كان عظيما وعشان برضه تعرف إن أيديولوجيا العلمنة القومية المصرية مكانتش بتدخل كتير وقتها.
أرطغرل، في الحقيقة، التوظيف الأيديولوجي للدراما التاريخية التركية من أجل العثمنة الجديدة= يحتاج لكتاب خاص، لكن هذا المسلسل بالذات ظريف في أنه أوجد تاريخًا معظمه ليس له وجود، لدرجة أنه لا يوجد أي دليل تاريخي (مصدر تقليدي مباشر أو مصدر غير تقليدي) يثبت أن أرطغرل كان مسلمًا، والذي يمكن الركون إليه من الأدلة لا يفيد أكثر من دخول الإسلام لهذه القبيلة في زمن الابن عثمان، والباقي روايات غامضة ومتعارضة، وكثير من الوقائع والنزاعات التاريخية التي أوردها المسلسل إما لا أساس لها وإما مغيرة المعالم لخدمة الغرض الدرامي ومن ورائه الأيديولجيا التركية. وهذا لا ينفي لا وجود تقييم فني ولا أيضًا تقييم أخلاقي أو ديني آخر للعمل.
فيلم المصير ليوسف شاهين؟
هذا عبث خالص لا يمت للتاريخ بصلة وليس مجرد تغيير.
ماركوس أورليوس إمبراطور روماني وفيلسوف عظيم، لكن هل حقًا حصل ما فغرنا أمامه أفواهنا في تحفة ريدلي سكوت جلاديلاتور؟
في الحقيقة لا..
غريب هذا الفن!
كيف يكون ريدلي سكوت في فيلمه: مملكة الجنة، أكثر وفاء للحقيقة التاريخية من مصري عربي (يوسف شاهين) عمل على فيلمه (الناصر صلاح الدين) أساطين الكتابة العربية مثل نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي؟
على كل حال: حتى هذا الوفاء كان نسبيًا..
الخلاصة: لا يُعاب العمل الفني التاريخي بنقص الدقة التاريخية،
لكن بشرط أن يكون التغيير الدرامي بهدف الإغناء الدرامي ولا يمس جوهر القيم والأفكار والأحداث الأصلية، وبالطبع لا يُبنى على أهداف أيديولوجية لا صلة لها بالسياق التاريخي للأحداث الأصلية.