أحمد سالم
وقول الله تعالى : "وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ" ليس تصريحا ، ولا تلميحا ، إلى جواز التوسل ، والآية ناطقة بأنَّ المجيء للظفر بإستغفار الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك ـ بداهةً ـ في أثناء الحياة ، لا الموت.. فإذا كان بعض الناس ، يحكي أموراً عن مجيئة للرسول صلى الله عليه وسلم في قبره ، وأنه سلم فسمع الرد ، ثم حظي بتقبيل اليد ، فهو بين حالتين :
إمّا أن يكون كذَّابا فلا قيمة لكلامه .
وإما أن يكون مجذوبا ـ يعني مجنونا ـ تخيَّل فخال ، ولا قيمة لكلامه كذلك.
ونحن لا ندع كتاب ربِّنا ، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لهذه الحكايات ، أمَّا ذلك الذي يوجب التوسُّل ، ويرى أنَّ تأثير الميت أقوى من الحي ، فهو رجل مخبول ، وزعمه بانتفاء الشرك ، مادام الاعتقاد أنَّ الفاعل هو الله ، كلامٌ فارغ .
وقد أبَنـَّا أنَّ المشركين القدماء كانوا يعرفون أنَّ الفاعل هو الله ، وأنَّ توسَّلهم كان من باب (ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى) ، وأنّ ندمهم يوم القيامـه ، إنّما هو على تسويتهم المخلوق بالخالق ، (تالله إنْ كنَّا لفي ضلال مبين ، إذ نسوِّيكم برب العالمين) ، وهناك عشرات الآيات تؤكد هذا المعنى.
سيقول بعض الناس : إنَّ القدماء كانوا يعبدون ، أما عوامّ اليوم فهم يدعون ، ويسألون فقط ، وشتـَّان بين عبادة الجاهلين ، وتوسُّل المحدثين بأولياء الله.
ونقول : هذه مغالطة ، فالسؤال ، والدعاء ، بنص القرآن ، عبادة محضة ، (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) ، وفي الحديث : (الدعاء مخ العبادة) .
فلماذا نتوجّه إلى البشر ، بما هو من خصائص الألوهية ؟!
وإذا وقع الجهال في تلك الخطايا بغباوتهم ، فلماذا لا نسارع إلى إنقاذهم منها ، بل تزوير الفتاوى ؟
الشيخ محمد الغزالي رحمه الله.
مقتطفات أخرى
يظن الإنسان أنه يمكنه أن يصل إلى درجة كافية من فهم ذاته وجودة تفعيل قدراتها بعمله الذاتي الفردي فحسب، وهذا وهم شائع..
يدخل الإنسان بعون من علاقاته المركزية إلى أماكن من ذاته لم يكن ليبلغها قط ولا حتى يحلم بوجودها أو يجرؤ على دخولها وحده..
الأب
الأم
الأخ
الزوج
الابن
الصديق
بل حتى العدو..
كل أولئك وعبر التواصل الصادق الصائب معهم= يستخرجون منك أحسن ما فيك لتراه وتحبه وتتمتع به وتنميه، ولربما استخرجوا منك أسوأ ما فيك لتراه وتقبله وتداويه..
وبدون العدو وشنآنه لم يكن العدل ليختبر، ولا العفو ليمتحن، ولا العلاقة بالأولياء لتقوى، حتى إن الله يقول للمتولين عن صراع الأعداء: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم.
وكل علاقة تفقد وجودها كفقد أحد الوالدين باليتم، أو الأبناء بالعقم، أو الزوج بالعزوبة= يعني أن جزءًا من ذاتك سيظل مجهولًا مغلقًا، وذاك بعض ابتلاء الحياة تبكيه وتصبر عليه، ولكن من هنا تعلم: أنه لا وجود لذات مكتملة بقدر الطاقة الإنسانية للاكتمال= بدون هذا التواصل الإنساني الذي تتجلى فيه الذات تجليًا لا يحدث لها قط وحدها..
وفي الكتاب المقدس قبل خلق حواء، وقال الرب الإله: ((لا يحسن أن يكون الإنسان وحده، فلأخلقن له عونًا يناسبه)).
ويقول سبحانه في الكتاب الخاتم المعصوم: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة.
ويقول سبحانه: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا.
والتوبة ونقضها دائمًا، خير من الإصرار.
ابن عطية في تفسيره.