أحمد سالم

أحمد سالم

بين النمط الأسلوبي للسنة النبوية، والنمط الأسلوبي للقرآن الكريم فرق هائل جدًا، حتى أن من استمع لدقيقة واحدة من هذا وذاك لم يشتبه عليه قط الفرق بينهما، وهذا من أظهر الدلائل على أن مصدر الكلامين مختلف، ثم يأتي الفرق الهائل بين النمط الأسلوبي القرآني وأي نمط أسلوبي بشري ليحصر المصدر في كونه مصدرًا إلهيًا، ولينظر الناس ما شاؤوا في أي أدب أنتجته أية حضارة فإنهم يجدون الفرق بين هذه الآداب هو فرق بين ألوان تنتمي إلى حقل واحد، أما البيان القرآني فنمط وحده لا شبيه له على الإطلاق.
والتدبر في الفرق الأسلوبي وحده، هو أظهر وأقوى الأدلة الإيمانية وأعمقها أثرًا في النفس.

مشاركة

مقتطفات أخرى

ذهب بعض من لا حظ له في الأصول إلى أن المستفتي يأخذ بأثقل الأجوبة، ويغلظ الأمر على نفسه، إذا تعارضت أجوبة العلماء.
وهذا تحكم من القائل؛ فإن الثقل ليس من علامة الصحة، فرب ثقيل باطل، ورب سمح صحيح.

أبو المعالي الجويني.

وقال الهيثمي في التحفة: «من عمل بالعزائم والرخص= لا يقال له: أنه متتبع للرخص».
وقال ابن عرفة المالكي: «حامل الورع في مسائل الخلاف آخذ بالأشد، وتتبع شدائد المذاهب لا يقصر عن تتبع رخصها في الذم».

اقرأ المزيد

اختلف العلماء في حكم رسم صور ذوات الأرواح بحيث يكون الرسم للجسم كاملًا..

فمحل النزاع لا يشمل الصور والرسومات والمجسمات التي هي رأس بلا جسد مثل البورتريه، وكذلك التماثيل النصفية=  كل ذلك حلال لا حرج فيها؛ لأن الله لم يخلق آدميًا على هذه الصورة التي لا تقوم بها حياة

قال ابن قدامة في المغني: ((وإن قطع منه ما لا يبقي الحيوان بعد ذهابه، كصدره أو بطنه، أو جعل له رأس منفصل عن بدنه، لم يدخل تحت النهي، لأن الصورة لا تبقي بعد ذهابه، فهو كقطع الرأس.
وإن كان الذاهب يبقي الحيوان بعده، كالعين واليد والرجل، فهو صورة داخلة تحت النهي. وكذلك إذا كان في ابتداء التصوير صورة بدن بلا رأس، أو رأس بلا بدن، أو جعل له رأس وسائر بدنه صورة غير حيوان، لم يدخل في النهي؛ لأن ذلك ليس بصورة حيوان)).

فيكون محل النزاع متعلقًا  بحكم رسم آدمي أو حيوان بحيث يكون جسمه أو ما يكفي للحياة من جسمه= كله ظاهر في الصورة..

جمهور الفقهاء على حرمة رسم ذوات الأرواح، واستدلوا بما جاء عن سعيد بن أبي الحسن قال: كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما، إذ أتاه رجل فقال: يا أبا عباس، إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير، فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول, سمعته يقول: "من صوّر صورة، فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخٍ فيها أبدًا" فربا الرجل ربوة شديدة، واصفر وجهه، فقال ابن عباس: ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، وكل شيء ليس فيه روح.

وذهب بعض المالكية وغيرهم إلى أن الصورة المحرمة هي المجسمات والتماثيل أما الرسم والتصوير فليست هي المقصودة في الحديث، وإنما تعلق نظر الشريعة بالتماثيل لأنها من جنس الأصنام وفيها المضاهاة للخلق الإلهي بتشكيل الأعضاء.

واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها: «أنها كانت اتخذت على سهوة لها سترا فيه تماثيل، فهتكه النبي صلى الله عليه وسلم، فاتخذت منه نمرقتين، فكانتا في البيت يجلس عليهما»

فقالوا إن هذا يدل إن الصورة المنهي عنها هي التماثيل، وبالتالي الصور والرسومات التي ليست جسمًا له ظل= ليست هي الصور المحرمة في الحديث.

قال ابن عبد البر:  ((واختلف الناس في الصور المكروهة فقال قوم إنما كره من ذلك ما له ظل وما لا ظل له فليس به بأس)).

قال الدردير في "الشرح الكبير" (2/ 337): " وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ تَصْوِيرُ حَيَوَانٍ، عَاقِلٍ أَوْ غَيْرِهِ، إذَا كَانَ كَامِلَ الأَعْضَاءِ، إذَا كَانَ يَدُومُ إجْمَاعًا، وَكَذَا إنْ لَمْ يَدُمْ عَلَى الرَّاجِحِ، كَتَصْوِيرِهِ مِنْ نَحْوِ قِشْرِ بِطِّيخٍ. وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ؛ إذْ النَّظَرُ إلَى الْمُحَرَّمِ حَرَامٌ.

بِخِلافِ نَاقِصِ عُضْوٍ، فَيُبَاحُ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَغَيْرِ ذِي ظِلٍّ، كَالْمَنْقُوشِ فِي حَائِطٍ أَوْ وَرَقٍ، فَيُكْرَهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَهِنٍ، وَإِلا، فَخِلافُ الأَوْلَى، كَالْمَنْقُوشِ فِي الْفُرُشِ" انتهى.

وما ذكره ابن عبر البر من الإباحة بلا كراهة هو الذي أفتي به وأراه أصح والله أعلم، مع اتساع الخلاف والاجتهاد للقول الآخر.

فالحاصل: أن المقصود بالصور المحرمة في الشرع هي التماثيل المجسمة بشرط أن تكون كاملة كمالًا يكفي لقيام الحياة بالإنسان أو الحيوان.

فالرسومات والصور الكارتونية مباحة بلا حرج، والله أعلم.

اقرأ المزيد