أحمد سالم

أحمد سالم

أحد مميزات الأماني أنها تتيح لك فرصة الجمع بين أجمل الخيارات والبدائل، فتحلم بتفوق دراسي ومهني وصحة جيدة ونفس مبتهجة وزواج ناجح وأبناء رائعين ووفرة في العمر والمال والعلاقات.

أما الحياة الحقيقية فمبنية على النقص والفوت، والخطر والاختيار العسر بين المسارات التي لا يمكن الجمع بينها.

وهذا الاختيار العسر نفسه هو مفتاح الالتزام بأداء حق ما اخترت من غير أن تمد عينك للفوت.
وتلك هي الوسيلة التي تمكنك من توفية العيش حقه؛ لأنك إن إن أنضجتك الأيام بما يكفي= فستعلم أنه ليس للجمع بين الفرص سبيل ما دمنا في الدنيا، وأنه لا مفر من الفوت؛ فتجتهد في الاختيار ما استطعت، ثم تحتمل النقص، وتشكر النعمة، وترضى القسمة، وترجو الآخرة فوحدها تجزيك على إحسانك ذاك نعيمًا لا نقص فيه ولا فوت.

مشاركة

مقتطفات أخرى

هناك سبب منطقي وطبيعي وإنساني للغاية، في شيوع فكرة (غدر الصحاب) وكونها محتوى مضمون كفيل بجذب الانتباه؛ لذلك يحرص عليها صانعو الأغاني الشعبية.

الغدر وقلة وفاء من أحسنت إليهم، وما يصيبك من وراء ذلك من الإحباط وخيبة الأمل= أمر ثقيل جدًا ممض للنفس ومرهق للروح، جرح قلب نازف فإذا ما اندمل لم يزُل ألمه إلا قليلًا.

لعله لأجل ذلك عظم إثم النساء بكفران العشير؛ لأن الرجل حقًا يحمل مسؤولية عظيمة جدًا وثقيلة جدًا، فإذا ما قوبلت بالكفران= لم يكن لألم ذلك مثل.

وإذا ما نجاك الله من كفران من أحسنت إليه، لم تنج من قلة شكره لك؛ لأجل ذلك يصد الناس عن الإحسان فإن فيه معاندة للهوى، فإذا كان جزاؤها الكفران قلت دواعي الإحسان في النفس.

ولأجل ذلك كله، من يبق على جميل طبعه محسنًا للناس صابرًا عليهم مستلهمًا الأجر من ربه= فذاك مرابط على ثغر قل حماته وعز من يطلبه ويقوم عليه ويؤديه حقه.

اقرأ المزيد

لا تستطيع أية علاقة إنسانية أن تكون طعامًا يغني عن غيره من الأطعمة، ولا تقدر علاقة منها على القيام بدور علاقة أخرى، ولا على إشباع الاحتياج الذي خلق الله هذه العلاقة لإشباعه.
يعطيك الأب ما لا يعطيه الزوج، ويعطيك الزوج ما لا يعطيه الأب، الأم تعطي ما لا تغني عنه الزوجة، والزوجة تعطي ما لا تشبعه الأم، والولد يعطي أبويه ما لا يعطيانه لبعضهما، والصديق يعطي صديقه ما لا يعطيه الأخ، والأخ يعطي ما لا يعطيه الأب، والمعلم يعطيك ما لا يعطيه الأب والجار يعطيك ما لا يعطيه الصديق.
 كالعناصر الغذائية تحتاج النفس إلى هذا التنوع العلاقاتي وتكتمل به وبتوازنه كمًا وكيفًا، وتتناوب هذه العلاقات وتتفاوت نسب الاحتياج منها باختلاف أحوال الإنسان طفولة وشبابًا واكتهالًا وشيخوخة وصحة ومرضًا، قد تتقاطع هذه العلاقات وتختلط أدوارها بدرجة مقبولة، وقد يصل التقاطع واختلاط الأدوار لدرجة مرضية تنبع من نقص النفس ونهمتها للناس كمريض الاستسقاء ينهل ولا يرتوي؛ والداء فيه لا في علاقة ترويه.
وكلما نضجت النفس واقتربت من السواء= استطاعت أن تأخذ زادها من تلك العلاقات بالقدر المضبوط كمًا وكيفًا، فهي نفس راسخة الجذر تنعم بالهواء والضوء وتأخذ من القطر ما يرويها ولا يغرقها ويفسد تربتها.
وهي نفس لا تفقد أبدًا وجهتها نحو السماء، ومهما ضعفت وانحرفت= تقدر أن تسترجع قلبها إن هوت به علاقة من تلك العلاقات في ذلك القعر الذي يمكن أن يقطع الحبل الذي يصلها بالزاد الأكمل والأتم والأغنى والأنفع، ذلك الزاد الذي يصل قلبها بالرب الذي خلقها.

وكل احتياج فاتك أن تشبعه لفقد أو فوات في العلاقة التي دورها أن تشبعه= لا تطلب إشباعه من علاقة غيرها لها دورها المختلف؛ فذلك يحرمك الثانية ولا يعوضك الأولى، تقبل أنك فقدت الأولى، واستمتع بالثانية في محلها وبالتقاطع المحدود بين دورها ودور المفقودة، وابك على ألم الفقد بقدر ما يشفي النفس ثم قف وواصل؛ فإن قوام الحياة النقص والفوات والألم، وليس كل ما يؤلمك يضرك، ولا كل ما يسرك ينفعك.

اقرأ المزيد