أحمد سالم
في حديث الأبرص والأقرع والأعمى، يقول رسول الله: فأراد الله أن يبتليهم.
وذكر ابتلاءهم أن الله استجاب لرجائهم فصرف عنهم ما بهم من المرض ومن عليهم بما طلبوه من المال، ثم أتاهم ملك من الملائكة في صورة رجل مسكين يسألهم شيئًا يتزود به، فأما الأبرص والأقرع فأمسكا عنه مالهما وقالا له: الحقوق كثيرة، فكانت عقوبتهما أن عاد إليهما ما كانا فيه من الفقر والمرض، وأما الأعمى فأراد أن يُعطي المسكين ما يشاء المسكين أخذه، فقال له الملك: أمسك مالك فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك.
وأنت إذا نظرت إلى هذا الذي أخبر رسول الله عنه أنه ابتلاء، وجدت أنهم ابتلوا بالعافية والنعمة وشكرها، وهذا الابتلاء ابتلاء خفي لا يشعر به الناس، فنحن نعيش في زحام من النعم لا نهتم بشكرها والامتنان لوجودها، ولا نشكرها بالطاعة والتوبة والاستغفار، وبلاء العافية والرخاء بلاء عظيم لو غفل الناس عنه فلم يؤدوا للنعمة حقها.
مقتطفات أخرى
لا يعيب الإنسان أبدًا ولا ينقص من رجولته أن يُظهر اهتمامه بما يتعلق بالنساء وحقوقهن، وأن يظهر تفهمه لمشاعرهن وأن يحرص على إكرامهن، خاصة في مجتمع لا بد لنا أن نعترف أنه من أضيع المجتمعات لحقوق النساء، وإذا لم يحمل صاحب الحق ومريد الخير هم هذا= حمله عنه أهل الباطل ليجعلوه طريقًا للفساد.
نعم. لا يعيب هذا الرجل بل هو من واجباته الشرعية، وكون بعض أهل الفساد يدخل في هذ الباب بما لا يرضي الله، ويدخله أكثرهم برغبة في استمالة من يميل معه من النساء فيما يغضب الله قل او كثر= هذا لا ينبغي أن يحول بين الإنسان وبين تحمل مسؤوليته تجاه هذا الأمر.
يقول شيخ الإسلام: ((فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر ، ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له ظاهرًا في الأمر بذلك المعروف، والنهي عن ذلك المنكر، ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين)).
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: استوصوا بالنساء خيرًا.
الفكرة كلها إن هذا الاهتمام بحقوق المرأة، والتفهم لمشاعرها لا يكون بالهوى وبما يظنه الإنسان خيرًا، وإنما يكون وفق حدود ما أنزل الله، وإن محاولة الإكرام هذه تكون لأهله ومحارمه، وأهل قرباه؛ فإن من ضيعهم فإنه لسواهم أضيع، ثم بعدها يكون ذلك مع كل امرأة في موضع حاجة بحسب ما يبيحه الشرع لك من التعامل مع امراة لا تحل لك.
لدينا حديث عظيم لا ينتبه له الناس؛ لأنهم يوردون آخره ولا يتدبرون فيه.
عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان معه غلام له أسود يقال له أنجشة، يحدو، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويحك يا أنجشة رويدك بالقوارير».
الحداء جائز كما ذكرت من قبل وهو غناء خفيف اللحن جدًا فيه تحزين، والمقصود به أصالة هو الإبل فهو ترويض لها، وفعل أنجشة فعل مباح لا حرج فيه، الآن ما الذي نهاه عنه رسول الله؟
هل المحل هنا محل خوف فتنة؟
لا، لا مجال لهذا هنا أصلا، وإلا لكان حداء الرجل تسمعه المرأة حرامًا.
القضية كلها: أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد الرفق بعاطفة المرأة حتى مما يثير تحزينها كما هو أثر الحداء عليها.
يبهرك التوازن العظيم في الشريعة الذي تراه هنا، حرص على المرأة حتى مما يُحزن نفسها من حداء الإبل.
وفي المقابل تخيل معي النساء حديثات العهد بالإسلام الشريفات في أقوامهن العفيفات التي واحدة منهن يقول لها النبي في البيعة يطلب منهن العهد ألا يزنين فتقول واحدة منهن: أو تزني الحرة؟!
بعد هذا كله وبعد انتهاء مجلس البيعة أردن المصافحة فإذا برسول الله أطهر الناس وأشرفهم يقول للحرائر الشريفات: إني لا أصافح النساء.
تخيل ثقل هذا على نفس امرأة حديثة العهد بالإسلام، أين رقة النبي وحسن خلقه ووصيته بالنساء ومراعاته لمشاعرهن حتى من تحزين حداء الإبل؟!
من فهم توازن الشريعة= سيعلم أن غاية الوصية بالمرأة هي في الحديث الثاني بقدر ما هي في الحديث الأول سواء بسواء، فكلاهما حرص عليها ورفق بها.
فليس الحرص على النساء وجعل حمايتهن جزء من رسالتك إلا معلمًا شريفًا من معالم رجولتك.
وأول ما ينبغي أن يشمله هذا هو محارمك وأهل بيتك والأقربين.
ولا يكون هذا بما تشتهي نفسك أو بتحريف الشرع، بل للشرع ميزانه في هذا لابد من فهمه قبل العجلة إلى تناول هذه الأمور بالميل والهوى والاسترضاء المضيع للشريعة، فحفظ الخلق مرتبط بحفظ الشريعة والحق.
استغرق صديق لي ثلاث سنوات من العلاج الدوائي مصحوبًا بالعلاج السلوكي المعرفي بمعدل عمل وواجبات تصل لعشر ساعات أسبوعيا= للتخلص من مرض نفسي شديد كان يدمر حياته.
الحفاظ على الحياة الإيمانية للقلب يحتاج إلى روتين يومي لا يقل مجموع ساعاته الأسبوعية عن خمس عشرة ساعة.
إتقان المراحل الأساسية للتمكن في أي علم يحتاج لعمل جاد لا يقل عن عشرين ساعة أسبوعيا لعام أو أكثر.
جودة العلاقة الزوجية، وجودة العلاقة مع الأبناء يحتاج لتواصل حقيقي ومنتظم لا يقل عن سبع ساعات أسبوعيًا.
أي عمل يكفل لك حياة معقولة لن يقل عن خمسين ساعة أسبوعيًا.
لا يتحقق أي هدف بمجرد الأماني، ولا توجد حبة دواء كفيلة بإصلاح ما عطب من شأنك.
لا أعرف كتابًا تقرأه فيُكسبك سلوكًا ما أو يداويك من آفة ما، المعرفة وسيلة وليست شفاء.
العمل الجاد، الروتين المنتظم، العادات الواعية، الخطوات القليلة الثابتة نحو هدف واضح.
تعلم كيفية السقوط بنفس أهمية تعلم كيفية القيام من هذا السقوط.
تحويل كل معرفة إلى سلوك روتيني وعادات منتظمة.
في ديننا: مئات التفاصيل في سنن وآداب عمل اليوم والليلة، من ذكر النوم لذكر القيام لآداب المشي إلى الصلاة لآداب المكث في المسجد لأدب اللقاء وأدب الفراق، كل ذلك ببساطة: نموذج للروتين اليومي الذي تتغلغل به المعرفة في حياتك لتكون حية وتحيا بها.
المعرفة وحدها لا تغير، وإنما العلم بالعمل ذاك مجرد شعار، المفتاح كله في فن صناعة الروتين الذي يحييك والعادات التي تحيا بها.
خطابات كثيرة غايتها أن تقول لك: اعمل الصح (بصوت غسان مطر)، لكنها لا تجييك عن سؤال: أيوه يعني أعمل إيه (بصوت حزلقوم).