أحمد سالم

أحمد سالم

في حديث الأبرص والأقرع والأعمى، يقول رسول الله: فأراد الله أن يبتليهم.

وذكر ابتلاءهم أن الله استجاب لرجائهم فصرف عنهم ما بهم من المرض ومن عليهم بما طلبوه من المال، ثم أتاهم ملك من الملائكة في صورة رجل مسكين يسألهم شيئًا يتزود به، فأما الأبرص والأقرع فأمسكا عنه مالهما وقالا له: الحقوق كثيرة، فكانت عقوبتهما أن عاد إليهما ما كانا فيه من الفقر والمرض، وأما الأعمى فأراد أن يُعطي المسكين ما يشاء المسكين أخذه، فقال له الملك: أمسك مالك فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك.

وأنت إذا نظرت إلى هذا الذي أخبر رسول الله عنه أنه ابتلاء، وجدت أنهم ابتلوا بالعافية والنعمة وشكرها، وهذا الابتلاء ابتلاء خفي لا يشعر به الناس، فنحن نعيش في زحام من النعم لا نهتم بشكرها والامتنان لوجودها، ولا نشكرها بالطاعة والتوبة والاستغفار، وبلاء العافية والرخاء بلاء عظيم لو غفل الناس عنه فلم يؤدوا للنعمة حقها.

مشاركة

مقتطفات أخرى

التصوف اسم لكل الاتجاهات التي زاد اعتناؤها بأبواب العمل الباطن، وتدور نصوصهم وممارساتهم حول القلب وعباداته وأمراضه، والنفس وتزكيتها وعيوبها، مع مبالغة في الزهد والتعبد وقطع الاشتغال بالدنيا؛ طلبًا لتصفية النفس ومعرفة الحق من طريق التقوى والعمل والعرفان.

وهذه الاتجاهات ظهرت بداية من القرن الأول الهجري في البصرة، ومن أعلامها الحسن البصري ومالك بن دينار، وحصل لها نوع تأثر بالزهد المسيحي الذي كان شائعا في البصرة، مع وجود مساحة حق كبيرة تتقاطع مع السلوك النبوي وهدي الصحابة.

ولم نصل إلى القرن الخامس الهجري حتى كان التصوف قد ترسخ في البنية الثقافية والمجتمعية الإسلامية وصار واقع الاشتغال الديني الإسلامي يقسم إلى:

النظر في أبواب العقائد نظرًا معرفيًا، وهذه وظيفة المتكلمين.

النظر في أبواب الأعمال والفروع وهذه وظيفة الفقهاء.

النظر في إصلاح القلب والجوارح، والعمل بالعلم الذي في القسمين السابقين، وهي وظيفة علماء السلوك والتصوف.

وصار لكل عالم معتقده الكلامي، ومذهبه الفقهي وطريقته الصوفية.

مع التطور ‍التاريخي دخلت ثلاثة مكونات على هذه الصورة، قد تجتمع في اتجاه أو شخص وقد تفترق:

الأول: التأثر  بالفلسفات الغنوصية وباتجاهات التصوف اليهودية والمسيحية والهندية والفارسية.
الثاني: التأثر بالمذاهب الحلولية بالتحديد من تلك الفلسفات السابقة.
الثالث: دخول الممارسات البدعية، ثم الوثنية والشركية وعبادة القبور ورفع مراتب الأولياء حتى تصرف لهم بعض العبادات التي يعد صرفها لغير الله شرك.

فصار التصوف بحسب اختلاطه بمكون أو أكثر على أربعة أنواع:

الأول: تصوف سني قريب جدًا من السلوك النبوي وهدي الصحابة والتابعين، فيه أنواع من المبالغة والتدقيق وطرف من الآراء والممارسات الخاطئة لكن تظل داخل دائرة الاجتهاد في طلب السنة لا يوجد فيها أصل بدعي وفق المفهوم الكلامي للافتراق عن السنة (الذي يشترط المخالفة في أصل كبير)، ومن أمثلته تصوف الحسن والمحاسبي والجنيد والجيلاني وابن الجوزي وابن القيم في بعض نصوصه.

الثاني: تصوف بدعي، فيه من طلب الحق والسنة الكثير لكن لا يخلو من بعض البدع كتدقيقات أوغل في العجمة وأبعد عن السنة من تدقيقات النوع الأول، وبدع في السلوك والعمل كالسماع والرقص والطرق والعهود ونحو ذلك، ومن أمثلته تصوف السلمي والقشيري والهروي والغزالي.

الثالث: تصوف شركي، وفيه ما عند الطائفتين السابقتين ويزيد عليه بدع القبور وشركيات الاستغاثة بالأولياء، ويوجد عند كثير من أعلام ما بعد القرن الثامن الهجري.

الرابع: تصوف فلسفي غنوصي باطني أو حلولي اتحادي، وهو أبعد مراتب التصوف عن مقالات الإسلاميين وكثير من أعلامه قيل بكفرهم، ومنهم السهروردي المقتول، وابن عربي، والرومي وابن سبعين.

اقرأ المزيد

الامتحان الإلهي لآدم عليه السلام هو نموذج عملي لطبيعة الحياة الابتلائية وطبيعة البلاء المبني على حرية الاختيار بين الخير والشر.
وقصة آدم عليه السلام هي نموذج مصغر لطبيعة الخلق والاستخلاف الإلهي للإنسان.

فاختيار آدم وتعليمه الأسماء وإسجاد الملائكة له= أصل في كرامة الإنسان وشرفه واصطفاء الله له من بين مخلوقاته.

ومعصية إبليس أصل في أن الله يختار من يريد ويصطفي من يشاء ليس للمخلوق حق على الله فيمن يصطفي ومن يفضل، وأن باب الكبر أن ترى نفسك ترفعها على غيرك من الخلق.

وإنظار إبليس أصل في أن الشر مقدور قدره الله وأنه خير في المآل وإن لم يبد كذلك في الحال، فالشر عنصر دافع يميز الله به الخبيث من الطيب تمييزًا تقوم به الحجة على الناس.

ومعصية آدم وحواء أصل في حرية الاختيار وأن الله كان يعلم بأن مآل آدم إلى المعصية ونزول الأرض لكن ذاك العلم ليس هو الذي حمل آدم على المعصية، وإنما حمله عليها اختياره.

وتلك المعصية أيضًا أصل في الضعف والغفلة الإنسانية، وكيف تأصل فيها حب العاجلة واشتهاء الإنسان لما يهواه لا ما ينفعه. 

وإنزال آدم للأرض أصل في العقوبات والابتلاءات الدنيوية وأن الله قد يبتلي الأقل إثمًا كآدم ويُنظر الأظلم الأبعد كإبليس، فليست الدنيا دار جزاء من كل وجه.

وتوبة آدم أصل في أن شرف الإنسانية لم تُحصله من جهة أنها لا تُذنب وإنما من جهة سعيها الدائم للتوبة والاغتسال من حوبة الذنوب، وأصل أيضا في أن الله يرفعك بالصبر والتوبة فيكون البلاء خيرًا لك في المآل.

وجريمة ابن آدم أصل في أن العدوان مركوز في الإنسان، والحسد نقيصة مشتركة بينه وبين إبليس، وأن بقاء البأس بين الإخوة من بني آدم إلى قيام الساعة؛ سنة إلهية يميز الله بها الصالح من الطالح.

وفي سعي ابن آدم لمواراة سوأة أخيه إشارة للتعقيد الذي سوى الله عليه الخلق الإنساني فهو كل مركب من الخير والشر والرحمة والنقمة.

اللهم ولا تحرمنا صحبة أبينا ونبينا في جنة الخلد، واجعله أسوة لنا في القيام بعد السقوط وأعذنا من سقوط لا قيامة بعده.

اقرأ المزيد