مراجعة لرواية بقايا النهار

مراجعة لرواية بقايا النهار
حجم الخط:
عادي

ستفينز، كبير الخدم في بيت بريطاني عريق، رجل إنجليزي اللغة حتى النخاع، أرستقراطي النزعة، يذوب تمامًا في مقتضيات خدمته ومرضاة أسياده، يروي لك ذكرياته بصوت رسمي بارد ومحايد لكنك تكتشف بين السطور أنه يمارس أقصى درجات الخداع الذاتي.

يحيا ممارسًا أقصى درجات خداع النفس، يكذب على نفسه؛ ليبرر تخليه عن المرأة الوحيدة التي أحبته الآنسة كينتون، ويبرر ولاءه الأعمى لسيده اللورد دارلينجتون الذي يتضح لاحقا أنه كان مجرد أداة سياسية ساذجة، يتصالح مع النازيين، ويتماهى مع عنصريتهم.

 هذا التناقض بين الواجب الأعمى وضياع العمر الشخصي صورة مما يحياه كثير من الناس.

إيشيغورو لا يقدم لك أدب مواساة يربت على كتفك بل يضعك أمام تشريح اجتماعي ونفسي صارم لمعنى أن تضحي بوجودك الحقيقي من أجل قناع اجتماعي ووظيفي. 

إنه استعراض مبهر لكيف ينهار الإنسان من الداخل دون أن يرتجف له جفن وكيف يتحول الصمت والكتمان إلى أثقل عبء يمكن أن يحمله عقل بشري، لكنه عبء ينخر الروح في صمت دون أن يدري به صاحبه.

مشهد الغسق الأخير حيث يجلس ستيفنز ليواجه حقيقة أن نهاره وعمره قد انقضيا بلا بوصلة قيمية خاصة، وبلا تلامس مع مشاعره، آملًا في أن تنقذ بقايا النهار ما تبقى من عمره.

 لكن حقيقة الواقع المرير، أنه لا توجد معجزات تنقذه ولا نهايات وردية تعيد له ما فاته وبدلًا من مراجعته لنفسه ينتقل إلى حالة تقبل مرير لحياته كما هي، تقبل يدفعه للعودة إلى عمله والتدرب على إلقاء النكات ليرضي سيده الأمريكي الجديد، فأي شيء يتعلق بإصلاح ذاته يرتد دائمًا إلى ما هي رغبات أسياده. 

هذا الكبح العاطفي الشديد وتلك البرودة الظاهرية تمثل عينة نادرة المثال لما يستطيع الأدب العظيم أن يصوره من خفايا النفس البشرية.

مراجعة لرواية: ((بقايا النهار))، للكاتب البريطاني ذو الأصل الياباني، (النوبلي): كازوو إيشيغورو.

معلومات الكتاب

عنوان الكتاب

بقايا النهار

المؤلف

كازوو إيشيغورو

مشاركة