أحمد سالم
ذهب بعض من لا حظ له في الأصول إلى أن المستفتي يأخذ بأثقل الأجوبة، ويغلظ الأمر على نفسه، إذا تعارضت أجوبة العلماء.
وهذا تحكم من القائل؛ فإن الثقل ليس من علامة الصحة، فرب ثقيل باطل، ورب سمح صحيح.
أبو المعالي الجويني.
وقال الهيثمي في التحفة: «من عمل بالعزائم والرخص= لا يقال له: أنه متتبع للرخص».
وقال ابن عرفة المالكي: «حامل الورع في مسائل الخلاف آخذ بالأشد، وتتبع شدائد المذاهب لا يقصر عن تتبع رخصها في الذم».
مقتطفات أخرى
الفضل بن العباس الذي كان ينظر للمرأة في الحج ويصرف رسول الله وجهه عنها= كان من القلة التي ثبتت يوم حنين، وختم الله له آخر عمره بالشهادة.
المخزومية التي سرقت فقطع رسول الله يدها، روى أحمد أنّها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل لي من توبة يا رسول الله؟ فقال: ((أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك)).
وروى عبد الله بن أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعد ذلك يرحمها ويصلها.
وقالت عائشة: فحسنت توبتها بعد وتزوجت رجلا من بني سليم... وكانت حسنة التلبس والمخالطة والمعاشرة... وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تاريخ الطاعة هو ما يصنع مصيرك، ولا يخلو ولي من معصية ولو كبرت.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: ((ليس من شرط أولياء الله المتقين ألا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأ مغفورا لهم؛ ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقا، بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه التوبة)).
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ما من غازيَةٍ أو سَرِيَّةٍ تغزو فَتَغْنَم وَتَسْلَمُ إلا كانوا قد تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أُجُورِهِمْ، ومَا من غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلاَّ تم أُجُورُهُمْ».
لا يخبرنا هذا الحديث فقط بأن النصر والغلبة الدنيوية ليست هي مدار العمل والأجر، بل أبلغ من ذلك يخبرنا أن تمام الأجر يحدث مع الإخفاق والهزيمة، وذلك لأن المنتصر يرى بعين الشهادة ما يرضي نفسه ويثبت إيمانه، أما من أخفق وانهزم فهو ثابت على إيمانه بالغيب يرجو وعد الآخرة.
والنصر له ألف أب يدعونه وينتسبون إليه ويظنون معه صحة ما هم عليه، ويغنمون من الدنيا ما يحل لهم لكنه يكون جزاء معجلًا لا يستوي مع من أجل جزاءه ليوم الحق المشهود.
أما أولئك الراسخين الثابتين على الرغم من غياب النصر الدنيوي فأولئك يتم إيمانهم ويتم أجرهم.
وفي هذا المعنى يقول عبد الرحمن بن عوف: ((قُتِل مُصعب بن عمير رضي الله عنه وهو خيرٌ مني، فلم يوجد له ما يُكفَّن فيه إلا بُردة إن غُطِّيَ بها رأسه بَدَت رِجْلاه؛ وإن غُطِّيَ بها رجلاه بدا رأسه، ثم بُسِط لنا مِنَ الدنيا ما بُسِط، أو قال: أُعْطِينا من الدنيا ما أُعطِينا، قد خَشِينَا أن تكون حَسَنَاتُنا عُجِّلَت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام)).
وإن أعظم غيب آمنت به= غيبٌ تكون في شهادته راحةُ نفسك؛ فإنك إن صبرت على ألمِ الغيب وآمنت به، ورضيت أن تَبقى مؤمنًا به وهو غيب لم ترى شهادته بالنصر وعقوبة الظالم في الدنيا، رغم أن راحتك في شهادته وأن تنال العافية وتشتفي من ظالمك= كان لك من أجر المؤمنين بقدر صبرك وألمك، ما لا يكون لمن شهد هذا الغيب فأراه الله ما يشفي صدره في الدنيا.