أحمد سالم

أحمد سالم

سئل أحد أئمة العلماء، هل يوجد في القرآن ما يشير إلى هذا المثل: ((لأجل عين تكرم ألف عين)).

‏قال: نعم، في قوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ}.

مشاركة

مقتطفات أخرى

الناس ليسوا شرًا مطلقًا وليسوا خيرًا مطلقًا، وأقبح الخلق إبليس يدور بين قولين أنه كان من الملائكة والقول الآخر أنه من صالحي الجن، ومع ذلك خطأ واحد جعله الرجيم الملعون؛ لأن الأخطاء ليست بالعدد وإنما بالوزن عند الله.

الشرك من أقدم الذنوب، ومن صوره أن يُشرك الإنسان بين الخير والشر، وبين الإيمان والكفر، وبين الحسنة والسيئة، الطاعة والمعصية، فتحوي نفسه هذه الأمور لأن الخير شعب متنوعة الإشكال، والشر شعب متنوعة الأشكال، فيقع للإنسان أن يجمع في نفسه هذا إلى جوار هذا، وقد قسم الله أنواع الخير والشر إلى طبقات بعضها فوق بعض، ثم فرق الله بين ميزاننا نحن في التعامل مع الناس وما لنا وما ليس لنا، وبين ميزانه هو سبحانه، وفرق سبحانه بين الجزاء الدنيوي والجزاء الأخروي على جهات مختلفة، وأرجو أن تُفهمك النقاط التالية بعض صور هذا الاختلاف:

(1) لا أحد معصوم من الشر، وما من إنسان إلا وهو يخلط عملًا صالحًا بآخر سيئًا وإنما يتفاضل الناس بقلة الشر كمًا ومحدوديته كيفًا.
(2) من الشر ما يفسد على الإنسان آخرته فلا يجعل له في الجنة نصيب، وهذا لا ينفي أنه تكون له أعمال صالحة، يجزيه الله بها في الدنيا نعمًا ويدفع عنه بسببها بلاء، وتجعل دركته في النار أحسن ممن ليس له نفس الأعمال، وهذا الشر الذي يوبق الإنسان هكذا هو الكفر والشرك اللذان يقعان من الإنسان وليس له عذر يدرأ عنه العذاب.
(3) ومن الخير ما يفتح لصاحبه باب الرحمة الأعظم فينجيه من الخلود في النار، وقد تغلب حسناته سيئاته فيدخل الجنة ولا يمسه عذاب، وقد تغلب سيئاته لكن تنفعه مغفرة الله أو شفاعة الشافعين، وإن كان هذا لا يمنع أن يبقى من له ذنوب تغلب باقي سيئاته ولا يغفرها الله له فيعذب بها في النار زمنًا ثم يدخل الجنة، وهذا الخير هو الحسنة العظمى أعني الإيمان بالله عز وجل وبنبيه الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، مع أركان هذا الإيمان وشروط صحته المعروفة.
(4) وقد يأتي رجل بالشر الأعظم ويكون له عذر ينفعه عند الله فيعصمه من العذاب، وهذا العذر قد ندركه أحيانًا كالكافر الذي ولد مجنونًا، وقد لا ندركه أحيانًا كما لا نعلم هل وصلته دعوة الإسلام وصولًا يكفي للإعذار أم لا، وبين هاتين الدرجتين درجات يعلمها البعض وتخفى على البعض.
(5) وقد يأتي رجل بالخير الأعظم لكنه يأتي في حياته بناقض من نواقض الإسلام بغير عذر ويموت بلا توبة وعودة عن الردة فهذا كأول مثال هاهنا، لا ينفعه أنه أتى بالخير الأعظم طالما وقع منه ما يبطله ويفسده ولا عذر له.
(6) وفي تعاملنا نحن: نشهد لمن أتى بالشر الأعظم بظاهره أنه كافر، ونترك احتماليات عذره إن وجدت للعالم القادر على تحقيق ما يمكن معرفته منها، وللآخرة التي ستبقى أشياء خفية علينا لا يعلمها إلا الله، لكن مساحة المجهول هذه لا تكفي لأن ننتقل عن ظاهر كونه أتى بالشر الأعظم فإنا لم نكلف بغير الظاهر.
وهذا الذي أتى بالشر الأعظم إن كان يحسن إلينا ولا يؤذينا فإن الله لا ينهانا عن الذي لم يقاتلوننا في الدين أن نبرهم ونقسط إليهم، وأن نحبهم لإحسانهم وإن كنا نبغضهم لباطلهم وكفرهم، وقد قال الله لنبيه عن عمه الذي مات كافرًا: إنك لا تهدي من أحببت، وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له»، وكان المطعم قد مات كافرًا، لكن رسول الله حفظ له إحسانه وجميله.
ولا ينبغي أن يفتننا الإحسان والجميل عن حقيقة كون هذا الكافر قد أتى بالشر الأعظم، ولن ينجيه إحسانه يوم القيامة، وفي صحيح مسلم عن عائشة قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: ((لا ينفعه، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)).
(7) ومن أتى بالخير الأعظم ولم يأت بما ينقضه فإنا نقبل منه ظاهر إسلامه مع قيام احتمال نفاقه أو كونه ينقض إيمانه مستترًا عنا، لكننا لا نتبع هذا بل لنا الظاهر والله هو من يزن تلك الخفايا، وفي هذا الظاهر الذي لنا، فإننا نهينا أن نزن للناس حسناتهم وسيئاتهم بما يجعلنا نحكم لهم بنجاة أو عذاب؛ فإن ذلك لله وحده، وإنما نشهد بالطاعة إذا رأيناها ونحمدها، ونحبه بقدر إصابته لها، ونشهد بالمعصية إذا رأيناها ونكرهها ونذمها، ونبغضه بقدر وقوعه فيها وننصح وننكر إن لم يكن أصاب مختلفًا فيه بتأويل، مع كوننا نحب للطائع الزيادة وللعاصي التوبة، ولا ينبغي أن نحكم على ما عند الله فنرى فلانا خيرًا من فلان عنده سبحانه بمجرد ظواهر نراها، لكن لنا أن نشهد بما علمنا من غلبة الخير الظاهر أو غلبة الشر الظاهر، دون تورط في أحكام عامة تحتاج لاطلاع لا نقف على علمه، ولنا أن نتبع هذه الظواهر في أحكام الشهادات وأحكام معاملة الفساق، والتحذير من الأخطاء البينة بما تستحقه، ولنا أن نتبع ذلك في اختيار من نصاحب ومن نزوج ومن نعاشر، مع كوننا أيضًا لا نقضي على ما غاب، ولا نقضي على ما عند الله، ولا نرى أن ذنوب واحد معين من المسلمين تهلكه وأن طاعات آخر تنجيه، وإنما الغيب لله والمآل بين يديه.

والله أعلى وأعلم.

اقرأ المزيد

إن المسلمين متفقون على ما علموه بالاضطرار من دين الإسلام، أن العبد لا يجوز له أن يعبد ولا يدعو ولا يستغيث ولا يتوكل إلا على الله، وأن من عبد ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو دعاه أو استغاث به= فهو مشرك... هذا من أصول الإسلام، فإذا كان القاضي (يعني قاضي مالكية مصر، ابن مخلوف) لا يفرق بين دين الإسلام ودين النصارى الذين يدعون المسيح وأمه= فكيف أصنع أنا؟!

قلت: كان هذا جواب شيخ الإسلام على محضر شنع به ابن مخلوف على الشيخ لدى حاكم مصر؛ لأنه يقول: إن الاستغاثة بالنبي كفر، وأنت ترى أن قاضي مصر وغيرها، والمالكي وغيره، والفقيه وغيره= كل أولئك إن أحدثوا تلك الضلالة فهم عند الشيخ خالفوا إجماع المسلمين، لا يفرقون بين دين الإسلام وبين دين يستغيث أهله بنبيهم وأمه يعبدونهم من دون الله.

احفظ هذا= فإن الكفر عظيم، وضلالات من غلبتهم زنادقة التتر وجهلة المماليك ومبتدعة الرافضة على دينهم وعباداتهم ليست هي الدين الذي يعرفه أهل العلم حقًا.

ونظرًا لما شرحته من قبل من ركوب المذاهب الفقهية لأجل الترويج للبدع الكلامية= فقد استعمل القائلون بتلك البدع المضلة تلك الطريقة مع شيخ الإسلام رحمه الله، فكانوا يحتشدون بأزيائهم الفقهية المذهبية من أجل السعاية لدى الأمراء؛ كي يُنكلوا بالشيخ.

لأجل ذلك كان من مسالك الشيخ العبقرية في الحجاج أنه يذكر من أهل كل مذهب فقهي من هم على عقيدة السلف، ثم يحاكم الجميع إلى ذلك المعتقد جاعلًا إياه مظلة متعالية فوق المذهبية الفقهية، وحقلًا معرفيًا ليس للمذاهب فيه قول من حيث كونها مذاهب في الفقه.

فبعد اللجج والمخاصمة، أراد أحد الحكام أن ينقذ الشيخ من بين أيدي متعصبة الفقهاء دون أن يغضبهم هو أيضًا فيحكي الشيخ هذا قائلًا: ((ولما رأى هذا الحاكم العدل: ممالأتهم وتعصبهم ورأى قلة العارف الناصر وخافهم قال: أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد فتقول هذا اعتقاد أحمد يعني والرجل يصنف على مذهبه فلا يعترض عليه فإن هذا مذهب متبوع وغرضه بذلك قطع مخاصمة الخصوم)).

فانظر لرد الشيخ الواعي بأجنبية الفقهاء ومذاهبهم وخلافها عن ذاك الباب كله: ((فقلت: ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجئ به الرسول لم نقبله وهذه عقيدة محمد)).

فاحفظ هذه أيضًا فإنها تكشف عنك تلبيس المتعصبة ومن جمع مع التعصب جهله ودخوله فيما لا يحسن.

اقرأ المزيد