أحمد سالم
ابتلي بنو إسرائيل بلاء عظيمًا في أنفسهم وأهليهم، وحكى الله عن فرعون وأهله قولهم: {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون} .
ثم ذكر الله وعظ نبي الله موسى لبني إسرائيل: {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون}.
فلما وفاهم الله وعده وقال: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون}.
فكيف كان عملهم بعد النجاة؟
{واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين}.
وهذا النموذج متكرر حد السأم، لا في تاريخ بني إسرائيل فحسب بل في تاريخ الإنسان عمومًا، لا هو يوفي الضراء حقها من الصبر ولا هو يوفي السراء حقها من الشكر، ويوهم نفسه والناس أنه لو مكن لفعل وفعل، ثم يمكنه الله فيكون شر آخذ وأبأس شاكر.
مقتطفات أخرى
العبد إذ يذنب يخلع على نفسه أوصاف المعايب يلومها ويوبخها، وبعض هذا حق ينفع وكثير منه لا ينفع، ثم هو بذلك لا يزال منحسرًا في نفسه يظن أن الأمر منها وإليها، ويغفل عن أن الأمر كله بيد الله، وأنت توبخ من ترى أن بين يديه الحول والقوة، وما أشقاك إن وكلت إلى نفسك فترجو أن تُخرج نفسها من ذنبها.
إن أجل مقامات العبودية هنا أن تعلم أن الحول كله والقوة كلها بيد الله، وأن الله يحول بين المرء وقلبه، وأن البلاء كله في أن يكلك الله إلى نفسك. فالسبيل أن تعوذ من الله به وأن تعلم أنه لا ملجأ من الله إلا إليه فيكون ندمك للوم نفسك على غفلتها لا لتوبيخ نفسك وسبها، ثم تسارع إلى مغادرة هذا المقام لتنخلع من نفسك، فتأخذ نفسك فتضعها بين يدي ربك منكسرًا لقدرة الله وعظمته وإحاطته بخلقه، وأنه لو شاء الله لعصمك من ذنبك ولولاه ما هديت إلى ندم ولا إلى توبة، فأنت مستعيذ بربك مستعين به تطلب قدرته وتتلمس حكمته وتنخلع من حولك وقوتك وقدرة نفسك إلى حول الله وقوته وقدرته.
والناس يظنون أن البلاء خير للمؤمن، وأعينهم تشير إلى حظ من الدنيا يأتيهم يسمونه العوض.
وهذا شكل آخر يُضم لأشكال متكررة من تعلق الإنسان بالعاجلة.
فالله عز وجل يثيب في الدنيا أحيانًا، ولكن هذه الإثابة نفسها هي بلاء آخر وليست هي الخير الذي في الحديث.
فبلاء المصيبة خيره في تحريكه الإنسان لعبودية الصبر، وبلاء النعمة خيره في تحريك الإنسان لعبودية الشكر.
فليس بعد البلاء حظ من الدنيا ولا عوض ترجوه حتمًا، قد يحدث هذا وتكون ساعتها نعمة تستوجب الشكر وذاك بلاء جديد، وقد لا يحدث هذا وتكون ساعتها مصيبة تستوجب الصبر وذاك بلاء جديد.
والله سبحانه يقول لنبيه: فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون.
وقضاء الله في الإنسان يدور كله حول تعريض الإنسان لفصول الامتحان التي تستفز فيه طاقة العبودية لتبلغ به مرتبة الكمال التي يباهي الله بها ملائكته ويجزي بها عبدَه الجنة.