أحمد سالم
السعي لأن أكون أفضل نسخة من نفسي= هذه رحلة ليس لها محطة وصول؛ لأن قابلية التحسين لا نهاية لها، والإنسان في الدنيا محدود لا يمكنه بلوغ أي حالة غير محدودة.
لذلك نحن نعبر عادة بتعبير أدق وهو: أفضل نسخة (ممكنة)، ممكنة بالنسبة لي هنا والآن، غدًا ستكون هناك فرصة لرفع سقف الممكن هذا إن بذلت أحسن ما أستطيع.
وأنا أيضًا لا أدري بيقين هل هذا أحسن ما أستطيع أم قصرت.
حالة الغموض ونقص اليقين ومحدودية العلم، واحدة من حالات النقص والألم التي هي جزء من الحياة، ويعد العيش رغم الألم، والعمل رغم الظن والنقص والغموض واللايقين= من علامات النضج النفسي.
الرغبة في أن أعلم وأطمئن وأتيقن هي كالرغبة في ألا أتألم= رغبات مشروعة ومقبولة، لكن ينبغي أن يتقبل الإنسان أنها لا تحصل كثيرًا، وبالتالي يعمل ويسعى على الرغم منها.
ابذل ما ترجو أنه أحسن ما تستطيع لبلوغ ما ترجو أنه أفضل نسخة ممكنة من نفسك هنا والآن، وفي الغد فرصة أخرى لتصحيح تقصير الأمس ولتطوير إحسانه معًا.
مقتطفات أخرى
روحانية الإسلام أن يخرج الإنسان من جزئه الطيني المادي؛ ليتصل بالله عز وجل عبر الأعمال الصالحة.
وأصل هذه الأعمال أعمال القلوب بمعرفة الله ومحبته والانقياد له، وتتبعها أعمال الجوارح.
وجوهر هذه الروحانية هو ((الكلمة)) كلمة القلب وكلمة اللسان وكلمة الجوارح، فإن كل ذلك كلام، كلام محبة فإن المحبة هي جوهر الخلق والعبودية والكلام إبانة عنها حتى عمل الجوارح هو كلام وإبانة؛ لأجل ذلك تتكلم الجوارح يوم القيامة مخبرة بعمل صاحبها، ولأجل ذلك خلق الله الإنسان وعلمه البيان، ليعرب عما في نفسه من محبته لربه.
وجوهر هذا الكلام هو القرآن كلام الله عز وجل.
لأجل ذلك ليس في الإسلام روحانية الصور ولا روحانية السماع (الإنشاد والموسيقى) كما فعلته المسيحية وتبعتهم الصوفية.
وليس في الإسلام روحانية وسائط؛ فإن الله قريب يكلم عبده بالقرآن ويتكلم العبد مع ربه بالصلاة والذكر والدعاء.
احفظ هذا فإنه لب الدين وروحانيته.
للدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في مقدمته لكتاب اليهود أنثروبولوجيًا لجمال حمدان= نص جميل في شجب الكتابة الأكاديمية منزوعة الهم القيمي والرسالي، الكتابة الباردة التي تتخذ البحث العلمي وسيلة وغاية، وليس وسيلة تدور في فلك غايات قيمية ورسالية أكبر منها.
هذا المعنى عظيم جدًا، وغياب الغاية القيمية والبعد الرسالي هو أحد التفسيرات المهمة لوجود تضخم في البحوث والدراسات الإسلامية دون انعكاس على واقع المجتمعات بل وحتى دون انعكاس على واقع أولئك الباحثين.
من جهة أخرى: يتم توظيف الرسالية وضرورة توفرها وتوفر المحيط القيمي كفضاء ضروري للعمل البحثي= يتم توظيف ذلك كشعار يُداري كون الباحث مجرد مثقف تيار، يدعم تحيزات وتوجهات هذا التيار أو التنظيم بكتابته، لا يختلف كثيرًا عن أي مثقف سلطة يدعم توجهات وتحيزات تلك السلطة عن طريق طيلسان البحث العلمي.
وتقوم هذه الفئة الأخيرة بتوجيه تهمة غياب البعد الرسالي لكل من يكتب بموضوعية علمية يحاول فيها القيام بالقسط ولو على نفسه وعلى من يشاركه الانتماء الإسلامي العام، لكنهم في نظر الباحث الموضوعي يقعون في تحيزات فاسدة وتحريرات غير عادلة لمذاهب خصومهم ودعم غير علمي للحجج التي تؤيد مذاهبهم هم.
والذي أريد تلخيصه هنا:
الرسالية ليست ضدًا للموضوعية التي تتحرى التنزه عن التحيز المذموم، الرسالية هي وجود فضاء قيمي يشكل الغاية التي يكون البحث الجزئي خادمًا لها، وهذا الفضاء القيمي ليس له طيلسان لا بد من لبسه قبل كل كتابة بحثية، بل يكفي وجود قرائن الانتماء لهذا الفضاء القيمي، ولو في الحال العام للشخص نفسه، خاصة والبحوث العلمية الدقيقة يصعب أن تُطلى بالحرارة العاطفية التي يجعلها مثقفو التنظيمات علامة الرسالية.
والموضوعية ليست هي التجرد من العاطفة الإيمانية بالمرة، وجمود الباحث وتجرده في كل سياقاته المعرفية من قرائن الانتماء لثابت يؤمن بوجوب لتحيز إليه، فحتى البحث الاستشراقي الذي يوهمك ببرودته الوضوعية هو في حقيقته خادم لفضاء قيمي لكن الحاذق منهم يُحسن مداراة ذلك أو ربما لا يعي أنه يقوم بتلك الخدمة.
وليس يعيب الباحث أن يتجرد في بحثه معرفة وبيانًا حتى لا تكاد يتحدد انتماؤه الثابت= بل هذا مما لا بد منه (أحيانًا قد تكثر) في ظل زحمة التحيز الفاسد التي نعاني منها خاصة في الأوساط الإسلامية، وإنما الذي يعيبه ان تكون هذه هي حالته العامة في كل مقامته المعرفية والبيانية حتى يتجمد انتماؤه القيمي في برودة الأكاديميا التي يقول عنها المسيري في نصه المشار إليه: تتحرك فى عالم خال من أى هموم إنسانية حقيقية – عالم خال من نبض الحياة: رمادية كالحة هى هذه المعرفة الأكاديمية، وذهبية خضراء هى شجرة المعرفة الحية المورقة.