أحمد سالم
السعي لأن أكون أفضل نسخة من نفسي= هذه رحلة ليس لها محطة وصول؛ لأن قابلية التحسين لا نهاية لها، والإنسان في الدنيا محدود لا يمكنه بلوغ أي حالة غير محدودة.
لذلك نحن نعبر عادة بتعبير أدق وهو: أفضل نسخة (ممكنة)، ممكنة بالنسبة لي هنا والآن، غدًا ستكون هناك فرصة لرفع سقف الممكن هذا إن بذلت أحسن ما أستطيع.
وأنا أيضًا لا أدري بيقين هل هذا أحسن ما أستطيع أم قصرت.
حالة الغموض ونقص اليقين ومحدودية العلم، واحدة من حالات النقص والألم التي هي جزء من الحياة، ويعد العيش رغم الألم، والعمل رغم الظن والنقص والغموض واللايقين= من علامات النضج النفسي.
الرغبة في أن أعلم وأطمئن وأتيقن هي كالرغبة في ألا أتألم= رغبات مشروعة ومقبولة، لكن ينبغي أن يتقبل الإنسان أنها لا تحصل كثيرًا، وبالتالي يعمل ويسعى على الرغم منها.
ابذل ما ترجو أنه أحسن ما تستطيع لبلوغ ما ترجو أنه أفضل نسخة ممكنة من نفسك هنا والآن، وفي الغد فرصة أخرى لتصحيح تقصير الأمس ولتطوير إحسانه معًا.
مقتطفات أخرى
لا تستطيع أية علاقة إنسانية أن تكون طعامًا يغني عن غيره من الأطعمة، ولا تقدر علاقة منها على القيام بدور علاقة أخرى، ولا على إشباع الاحتياج الذي خلق الله هذه العلاقة لإشباعه.
يعطيك الأب ما لا يعطيه الزوج، ويعطيك الزوج ما لا يعطيه الأب، الأم تعطي ما لا تغني عنه الزوجة، والزوجة تعطي ما لا تشبعه الأم، والولد يعطي أبويه ما لا يعطيانه لبعضهما، والصديق يعطي صديقه ما لا يعطيه الأخ، والأخ يعطي ما لا يعطيه الأب، والمعلم يعطيك ما لا يعطيه الأب والجار يعطيك ما لا يعطيه الصديق.
كالعناصر الغذائية تحتاج النفس إلى هذا التنوع العلاقاتي وتكتمل به وبتوازنه كمًا وكيفًا، وتتناوب هذه العلاقات وتتفاوت نسب الاحتياج منها باختلاف أحوال الإنسان طفولة وشبابًا واكتهالًا وشيخوخة وصحة ومرضًا، قد تتقاطع هذه العلاقات وتختلط أدوارها بدرجة مقبولة، وقد يصل التقاطع واختلاط الأدوار لدرجة مرضية تنبع من نقص النفس ونهمتها للناس كمريض الاستسقاء ينهل ولا يرتوي؛ والداء فيه لا في علاقة ترويه.
وكلما نضجت النفس واقتربت من السواء= استطاعت أن تأخذ زادها من تلك العلاقات بالقدر المضبوط كمًا وكيفًا، فهي نفس راسخة الجذر تنعم بالهواء والضوء وتأخذ من القطر ما يرويها ولا يغرقها ويفسد تربتها.
وهي نفس لا تفقد أبدًا وجهتها نحو السماء، ومهما ضعفت وانحرفت= تقدر أن تسترجع قلبها إن هوت به علاقة من تلك العلاقات في ذلك القعر الذي يمكن أن يقطع الحبل الذي يصلها بالزاد الأكمل والأتم والأغنى والأنفع، ذلك الزاد الذي يصل قلبها بالرب الذي خلقها.
وكل احتياج فاتك أن تشبعه لفقد أو فوات في العلاقة التي دورها أن تشبعه= لا تطلب إشباعه من علاقة غيرها لها دورها المختلف؛ فذلك يحرمك الثانية ولا يعوضك الأولى، تقبل أنك فقدت الأولى، واستمتع بالثانية في محلها وبالتقاطع المحدود بين دورها ودور المفقودة، وابك على ألم الفقد بقدر ما يشفي النفس ثم قف وواصل؛ فإن قوام الحياة النقص والفوات والألم، وليس كل ما يؤلمك يضرك، ولا كل ما يسرك ينفعك.
خلق الإنسان ليخوض رحلة الحياة محملة بأنواع شتى من اختبارات العيش ومحن التجارب؛ لأن هذا هو الطريق الذي اختاره الله لنا لكي نثبت من خلاله أننا نستحق كرامة الإنسانية وما أعده الله للذين أحسنوا حمل الأمانة ورعوها حق رعايتها.
ثم كان من رحمة الله بنا أن جعل التواصي بالحق والتواصي بالصبر والحرص على تبادل النفع= من أعظم ما يعيننا على خوض هذه الرحلة العصيبة.
فما من إنسان منا يقدر أن يستغني عن دعم من حوله ولا عن وقوفهم بجانبه، وما من إنسان منا يقصر في تقديم دعم واجب للذين مِن حوله، إلا وهو آثم يجب عليه من التوبة والاستغفار واستدراك النقص ما يكفر عنه خطيئة التقصير.
ورغم أن الإنسان قد يُبتلى بأهل مقصرين في إعانته ودعمه.
ورغم أن الإنسان قد يجد الدعم والإعانة من أصدقائه وجيرانه والذين يرجون الخير ويعينون الناس من غير سابق صلة.
إلا أن معين الدعم والإعانة الذي لا زال ولم يزل يستعين به الناس في العالم من حولنا، وفي الدنيا منذ كانت= هو دعم الأهل والأرحام وشبكات الروابط العائلية، وسيظل الذين يفقدون زادهم منها أقل بكثير من الذين يفقدون زادهم من مصادر الدعم الأخرى.
لقد كتب الله على الرحم مذ خلقها قدرة لا تنضب على تقديم الحب غير المشروط والدعم غير المنقوص والإعانة التي لا تنقطع، مهما قصر قوم وضيع آخرون ستظل تلك هي الحقيقة الغالبة التي لا تقدر الاستثناءات على مكاثرتها.
لأجل عشرية عمرك الأولى العاجزة، ولأجل عشرية عمرك الثانية المضطربة، ولأجل عشرية عمرك الثالثة الغرورة، ولأجل عشرية عمرك الرابعة الشاحبة ولأجل عشرية عمرك الخامسة الباردة، ولأجل عشرياتك التي تلي ذلك تستعيد فيها عجزك الأول وتخلو فيها حياتك من زحمتها التي عودتك عليها= لأجل كل ذلك يتزوج الناس.