أحمد سالم

أحمد سالم

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد..

فهذا تصحيح لخطأ شائع آخر يتعلق بمسألة أخرى وهي: حكم سفر المرأة بغير محرم

شاع في بعض الفتاوى المعاصرة تحريم إقامة الفتيات للدراسة، في المدن الأخرى أو الدول الأخرى باعتبار هذا سفرًا بغير محرم، وهذا خطأ عجيب، فالإقامة في غير البلد لغرض مباح هي كاسمها إقامة، وليست سفرًا، وحكم هذه الإقامة يتقيد فقط بالأحكام العامة لأمن النساء وضوابط الحركة الاجتماعية لهن، لكنه لا يحتاج إلى محرم بلا خلاف بين العلماء، لذلك يشيع هذا الخطأ في كلام بعض المفتين غير المؤهلين، لكنك لو راجعت فتاوى العلماء حتى المشددين منهم في أحكام النساء مثل علماء الفتوى الكبار في السعودية، ستجدهم يتكلمون عن الاحتياطات التي تتوخاها المرأة في إقامتها في تلك البلاد، وأحكام العلاقة بين الجنسين، لكنهم ينصون على عدم اشتراط المحرم، لأن هذا ليس سفرًا بل هو إقامة عادية، تُتم المرأة فيها الصلاة ولا يحل لها الفطر بعذر السفر ولا تحتاج إلى محرم..

فالمفتي في مسألة الإقامة في غير البلد للتعليم يؤكد على مراعاة ظروف الأمن والانتقال وأحكام العلاقة بين الجنسين لكن اعتبار هذا سفرًا بغير محرم= غلط عجيب..

أما نفس عملية الانتقال من بلد إلى بلد فهي التي تناقش فيها أحكام السفر بغير محرم لذلك كان من عرفتهم في الخليج من الذين يتقيدون بقول الجمهور في اشتراط السفر بمحرم يسافرون ببناتهم لانجلترا مثلا للدراسة فإذا اطمئنوا على سكنها تركوها وعادوا، ولا يقول أحد إن إقامتها تلك تحتاج إلى محرم لأنها سفر.

أما حكم سفر المرأة بغير محرم، فأكثر الفقهاء على أنه لا يحل للمرأة أن تسافر بغير محرم، واستثنى كثير من هؤلاء الحج والعمرة فأباحوها بغير محرم باشتراط الأمن..في الفروع: ((نقل الأثرم عن الإمام أحمد: لا يشترط المحرم في الحج الواجب، وعلل ذلك بقوله: لأنها تخرج مع النساء، ومع كل من أمنته.
 بل قال ابن سيرين: مع مسلم لا بأس به.
 و قال الأوزاعي: مع قوم عدول.
 و قال مالك: مع جماعة من النساء.
 و قال الشافعي: مع حرة مسلمة ثقة . وقال بعض أصحابه: وحدها مع الأمن)).

ومن أدلتهم ما رواه البخاري عن عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((فإن طالت بك حياة، لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله)) قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله)).

ونقل الحافظ في فتح الباري حجة المستدلين به أنه: ((خبر في سياق المدح ورفع منار الإسلام فيحمل على الجواز)).

وكان ابن عمر يحج معه نسوة من جيرانه، وهو قول عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن البصرى، وقال الحسن: المسلم محرم، ولعل بعض من ليس بمحرمٍ أوثق من المحرم
قال الغزالي في تعليل طلب المحرم: فيتعين أن يقال : الشهوات غالبة، وفي الفساق وذوي المجون كثرة، والطرق بهم طافحة، والمرأة ضعيفة ليس لها مُنّة -أي طاقة- المقاومة إذا قُصدت ...وهذا المحذور يندفع بالنسوة الثقات، فلا يتجاسر واحدٌ على قصد امرأة محفوفة بنسوة عدول، وإنما يستتب له ذلك إذا استظهر بعدد وشوكة يضاهي قطاع الطريق، وذلك إنما يُفرض إذا كانت الطرق مخوفة غير آهلة، وعند ذلك لا يجوز الخروج" 

وهذا الاستثناء وتعلقه بالمعنى كان من الطبيعي أن يقوي حجة القول الآخر الذي ساوى بين الحج والعمرة وغيرهما= فإذا توفرت ظروف الأمن في الانتقال فلا حرح في سفر المرأة بغير محرم، وهذا القول تأكدت قوته بعد متغيرات الأعصار الحديثة والتي سار فيها أمن الانتقال مع قصر مدته أعظم بمراحل من أمن المرأة في سفرها مع رجل واحد الليالي الطويلة في الصحراء..

قال ابن مفلح: عن شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وعند شيخنا تحج كل امرأة آمنة مع عدم ال‍محرم، وقال: إن هذا متوجه في كل سفر طاعة)).

ومن الشافعية قال أبو حامد: ومن أصحابنا من قال: لها الخروج ‍بغير ‍محرم في أي سفر كان واجبًا كان أو غيره.

وفي مواهب الجليل من كتب المالكية: ((فهم من قول المصنف بفرض أن سفرها في التطوع لا يجوز إلا بزوج أو محرم وهو كذلك فيما كان على مسافة يوم وليلة فأكثر وسواء كانت شابة أو متجالة وقيد ذلك الباجي بالعدد القليل ونصه: هذا عندي في الانفراد والعدد اليسير فأما في القوافل العظيمة فهي عندي كالبلاد يصح فيها سفرها دون نساء وذوي محارم انتهى ونقله عنه في الإكمال وقبله ولم يذكر خلافه وذكره الزناتي في شرح الرسالة على أنه المذهب فيقيد به كلام المصنف وغيره ونص كلام الزناتي إذا كانت في رفقة مأمونة ذات عَدَد وعُدَد أو جيش مأمون من الغلبة والـمحلة العظيمة، فلا خلاف في جواز سفرها من غير ذي محرم في جميع الأسفار الواجب منها والـمندوب والمباح من قول مالك وغيره، إذ لا فرق بين ما تقدم ذكره وبين البلد، هكذا ذكره القابسي)).

وهذه الأقوال تربط هذه الأخبار الواردة في النهي عن سفر المرأة بغير محرم بمعناها لا بحرفية لفظها، والمعنى عندهم أن المقصد هو الأمن على المرأة ويجعلون هذه الأخبار في النهي ‍سفر المرأة منفردة من كل أحد، وإنما ذكر ال‍محرم لأنه أولى بصحبتها عادة لا لاشتراطه، وهذه الأخبار لها تعلق بطبيعة ال‍سفر مسيرة يوم وليلة في الصحراء وما يعتري امرأة في مثل ذلك من المخاطر، ومن فرق هذا التفريق لاعتبار ذلك المعنى فقوله سائغ، وهو الراجح عندي أفتي به وتفتي به عدد من جهات الفتوى المعاصرة.

مشاركة

مقتطفات أخرى

مفيش رجل بيحول حياة ست لجحيم إلا بعد استقرار شيء أساسي في نفسه: إن بقاءها معه أمر واقع ومحتوم ومش هتقدر تروح في حتة ولا هتلاقي حد يحميها منه.

المجرمون يخافون ولا يختشون، بمعنى: يخافون من غيرهم ولا يوجد وازع أخلاقي داخلهم.

وهذا الواقع الأسود شريك فيه المرأة نفسها التي تستسلم للظلم والإهانة والاعتداء عشان تاكل وتربي عيال غالبا بيطلعوا مرضى نفسيين، أو على الأقل تملؤ ندوب وألغام أرضية قابلة دائمًا للتفجر والفساد.
وشريك فيها أهلها اللي بيتخلوا عنها ومش عاوزين يتحملوا مسؤوليتها وشايفينها لو اتطلقت عبء عليهم.
وشريك فيها مجتمع مريض عاجز عن حماية نفسه من عمليات تكاثر المشوهين نفسيا، وشريك فيه دولة هشة عاجزة عن توفير نظام قضائي حاسم وعدالة ناجزة تحفظ حقوق الناس.

وإن أحد الإشكاليات الأساسية في كل ما يتم طرحه في العالم العربي حول المشكلات الزوجية هو استبعاد خيار ‍الطلاق.

الآن حتى تصل الفكرة كما أريدها بالضبط سأرتبها في ثلاث نقاط:

الأولى: كل الأدبيات التي يتم طرحها حول صبر الزوجة واحتسابها وصبر الزوج واحتسابه، وجبر السيئة بالحسنة، وألا يفرك مؤمن مؤمنة، كل ذلك إنما هو حيث تغلب الحسنات السيئات، وحيث يكون الأصل عند كل طرف هو احترام الطرف الآخر وتقوى الله فيه، وحيث يكون الفساد الواقع راجع لنقص التجربة وسوء الفهم وليس لفساد المعدن.
وبالتالي فاستحضار هذه الأدبيات وصبها في مسامع زوجة ترزح تحت نير رجل ظالم يسومها سوء العذاب، أو صبها في مسامع زوج ابتلاه الله بامرأة سوء= هو نوع من العبث لا علاقة له لا بالدين ولا بالإصلاح ولا بأخلاق حسن العشرة.

وهناك ألوان معينة من العيوب مثل البخل الشديد المضر بالنفقات الضرورية، ومثل قلة الحياء والتبذل المحرم للرجال= تكون الوصية بالصبر والاستمرار فيها لونا من العبث أيضا لا يقرره نظام عشرة سوي كقاعدة له، حتى ولو كان لدى الطرف المصاب بهذا حسنات أخرى، وغاية ما يتاح هو طرح الصبر والعلاج كخيار إن شاء اختاره وإن شاء طلق، خاصة عند وجود الحب الذي يُعجز صاحبه عن الفراق.

ثانيًا: ‍الطلاق حل مشروع وحل ناجع اعتبرته الشريعة، وليس أبغض الحلال فلا يصح في وصفه بذلك حديث، وقد طلق رسول الله ثلاث مرات، وهو الخيار الأساسي في الحالات التي ذكرتها في النقطة الأولى، وهو خيار أساسي في حالات أخرى أقل حدة تتعلق بأن تبغض المرأة الرجل أو يبغض الرجل المرأة بغضا يؤدي وجوده لتضرر العلاقة جدا، ولا علاقة له بنقص الدين والدنيا، ولكنه بغض نفسي وتنافر قلبي.

والتصور الاجتماعي الإسلامي إن تم تطبيقه بكافة عناصره سيكون للطلاق سيولة داعمة، وروافد مساعدة وفرصا خادمة= تقلل كثيرا من الأضرار الاجتماعية التي نراها الآن وتجعل ‍الطلاق خيارا عسيرا، لذلك ف‍الطلاق كنظام يقع وسط نسق الأنظمة الاجتماعية الإسلامية: فيه من اليسر والسيولة ومساعدات التطبيق ما يجعله يُكون مع شروط اختيار شريك الحياة وأدب العشرة المقرر في الوحي= نموذجا أكثر إنسانية وواقعية من اختبار العلاقة بالزنا المتكرر حتى الاستقرار على شريك مناسب للحياة كما هو النموذج الغربي والذي يلوح فشله وقلة جدواه لأي ناظر في نسب ‍الطلاق في الغرب مع الفساد الكبير لعلاقات الأخدان هذه.

ثالثاً: بما إن التصور الاجتماعي الإسلامي تم انتهاك فرص تطبيقه من قبل جهات شتى، بات الكلام عن ‍الطلاق وسهولته ويسره، بمثابة حل منزوع من سياقه ومن أدواته الخادمة، وبالتالي يبدو كلام من يستبعدون ‍الطلاق من الحلول= كلاما أكثر واقعية ومنطقية يعيبه فقط أنهم لا يُظهرون وربما لا يفهمون أن هذا الكلام ناتج عن تغيرات اجتماعية واقتصادية وليس هو الأصل، والكلام عن ‍الطلاق كأنما هو كارثة، لابد أن يظل مقيدا بكونه كارثة نتيجة للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية وإلا فهو حل اجتماعي ممتاز في كثير من الأحيان لولا معوقاته التي جرت بأيدي الناس، وبالتالي فهناك حالات كثيرة يجب فيها ترجيح قرار الطلاق وتحمل المعوقات، ويجب فيها السعي المجتمعي لتخفيف المعوقات.

والواقع أن هناك درجة معينة من التأثر بالمسيحية وموقفها من ‍الطلاق يشيع في تصورات الكثيرين دو أن يشعروا، العلاقات في التصور الإسلامي قائمة على سهولة الدخول فيها وسهولة الخروج منها إن تعسرت العشرة.

النبي صلى الله عليه وسلم طلق زوجة من زوجاته بمجرد أن بدا منها درجة يسيرة من درجات عدم قبول العشرة.

كل أب وأم لا يقفون جوار ابنتهم حين تتعرض للظلم والاعتداء من طاغية مفسد= فهم آثمون إثما عظيمًا.

الخلاصة: معظم ما يتم طرحه عن العشرة الزوجية من خطاب إصلاحي: إنما هو خطاب لقوم أصحاء يتقون الله، تقع منهم جوانب نقص وتقصير وضعف في التجربة ‍الإنسانية، فيتم خطابهم للترشيد والإصلاح.
أما الظلمة الفجرة وأهل العيوب الكارثية فإنما تؤمر المرأة/الرجل بالصبر إن كان الفراق أشق عليها وأكثر فسادا، والصبر هنا خلق ضرورة وليس من أخلاق حسن العشرة، وإلا فاستحضار خيار ‍الطلاق مهم خاصة إذا كانت تجربة الزواج في بدايتها.

ولكل رجل يريد تحقيق معاني الرجولة أقول: كل من له امرأة داخل دائرة رحمه ومحارمه= كن رجلًا وقف بجوارها بما استطعت إن تحققت أنها تتعرض لظلم واعتداء فاسد، لا أقول زين لها الطلاق، ولكن أقصد أشعرها وأشعر ظالمها أن خلفها رجال.

وكقاعدة عامة في كل التصورات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية الموجودة في الوحي وتجارب السلف= في هذه التصورات خير كثير جدًا حتى ما كان منها تجربة إنسانية قابلة للتغير، لكن سواء الثابت منها أو المتغير: لابد من فقهها داخل سياقاتها وداخل بنيتها الداعمة والمتكاملة، وانتزاع جزء منها من سياقه وتطبيقه دون بيئته الداعمة سيؤدي لفساد كبير، كما أن الغفلة عن الأجزاء الثابتة من هذه التصورات وعدم تدبر الحكمة فيها، واستبدال تصورات مغلوطة معاصرة بها وجعلها خطابا أساسيا كما يقع من تبغيض ‍الطلاق تبغيضا زائدا= يؤدي لفساد كبير أيضًا.

اقرأ المزيد

وليس أشرف لتحقيق مقام التوكل من أن يتوكل العبد على ربه في إصلاح قلبه وتزكية نفسه.
 بل الله يزكي من يشاء.
اللهم ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

اقرأ المزيد