أحمد سالم
العبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارا إليه وخضوعا له، كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأعظم الخلق أعظمهم عبودية لله.
وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره.
فأعظم ما يكون العبد قدرا، وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم، كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم، ولو في شربه ماء، نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته ليكون الدين كله لله ولا يشرك به.
ولهذا قال حاتم الأصم: لما سئل: فيم السلامة من الناس؟ قال: أن يكون شيئك لهم مبذولا، وتكون من شيئهم آيسا.
ابن تيمية.
مقتطفات أخرى
إن المسلمين متفقون على ما علموه بالاضطرار من دين الإسلام، أن العبد لا يجوز له أن يعبد ولا يدعو ولا يستغيث ولا يتوكل إلا على الله، وأن من عبد ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو دعاه أو استغاث به= فهو مشرك... هذا من أصول الإسلام، فإذا كان القاضي (يعني قاضي مالكية مصر، ابن مخلوف) لا يفرق بين دين الإسلام ودين النصارى الذين يدعون المسيح وأمه= فكيف أصنع أنا؟!
قلت: كان هذا جواب شيخ الإسلام على محضر شنع به ابن مخلوف على الشيخ لدى حاكم مصر؛ لأنه يقول: إن الاستغاثة بالنبي كفر، وأنت ترى أن قاضي مصر وغيرها، والمالكي وغيره، والفقيه وغيره= كل أولئك إن أحدثوا تلك الضلالة فهم عند الشيخ خالفوا إجماع المسلمين، لا يفرقون بين دين الإسلام وبين دين يستغيث أهله بنبيهم وأمه يعبدونهم من دون الله.
احفظ هذا= فإن الكفر عظيم، وضلالات من غلبتهم زنادقة التتر وجهلة المماليك ومبتدعة الرافضة على دينهم وعباداتهم ليست هي الدين الذي يعرفه أهل العلم حقًا.
ونظرًا لما شرحته من قبل من ركوب المذاهب الفقهية لأجل الترويج للبدع الكلامية= فقد استعمل القائلون بتلك البدع المضلة تلك الطريقة مع شيخ الإسلام رحمه الله، فكانوا يحتشدون بأزيائهم الفقهية المذهبية من أجل السعاية لدى الأمراء؛ كي يُنكلوا بالشيخ.
لأجل ذلك كان من مسالك الشيخ العبقرية في الحجاج أنه يذكر من أهل كل مذهب فقهي من هم على عقيدة السلف، ثم يحاكم الجميع إلى ذلك المعتقد جاعلًا إياه مظلة متعالية فوق المذهبية الفقهية، وحقلًا معرفيًا ليس للمذاهب فيه قول من حيث كونها مذاهب في الفقه.
فبعد اللجج والمخاصمة، أراد أحد الحكام أن ينقذ الشيخ من بين أيدي متعصبة الفقهاء دون أن يغضبهم هو أيضًا فيحكي الشيخ هذا قائلًا: ((ولما رأى هذا الحاكم العدل: ممالأتهم وتعصبهم ورأى قلة العارف الناصر وخافهم قال: أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد فتقول هذا اعتقاد أحمد يعني والرجل يصنف على مذهبه فلا يعترض عليه فإن هذا مذهب متبوع وغرضه بذلك قطع مخاصمة الخصوم)).
فانظر لرد الشيخ الواعي بأجنبية الفقهاء ومذاهبهم وخلافها عن ذاك الباب كله: ((فقلت: ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجئ به الرسول لم نقبله وهذه عقيدة محمد)).
فاحفظ هذه أيضًا فإنها تكشف عنك تلبيس المتعصبة ومن جمع مع التعصب جهله ودخوله فيما لا يحسن.
رهق العيش له مختلف الصور، فبعض الناس يرهقه فقره، وبعض الناس يرهقه مرضه، وبعض الناس يرهقه أهله، وبعض الناس يرهقه صحبه، وبعض الناس يرهقه ظالمه، وبعض الناس يرهقه ذنبه، وبعض الناس يرهقه ندمه، وبعض الناس يرهقه عقله.
وعلى الرغم من أن الرهق ثقيل كله، إلا أن أثقله: رهق محبوس بين الضلوع يأخذ بأكظامك همًا وغمًا، والغم يُثقل اللسان كأنما هو قطعة صخر يابسة، وإذا ثقل اللسان فإنه يصبح كالسد يحجز أنفاس الروح، والرهق المحبوس إلى جوار النفس المكتوم يجمعان شرًا إلى شر، فأنت هناك منفرد معزول ولو كنت في ضجيج من الخلق، وحيد مهجور فلا يواسيك حبيب قريب، ولا ينطلق لسانك تشكو إلى السميع المجيب.