أحمد سالم
مهما بلغت شراسة الفنون القتالية فإنها جميعًا تشترك في اشتراط القتال الشريف بلا خسة ولا غدر.
لما ابتكر جيش الاحتلال فنًا قتاليًا وهو الكرافاماجا، ابتكروه فنًا يستهدف المناطق الحساسة في الجسد، وهو الفن الوحيد الذي يبيح مباغتة الخصم والغدر به وضربه من الخلف.
حتى الفنون القتالية تكشف عن الدناءة والخسة المتأصلة والعريقة في هذا الجنس الحقير المغضوب عليه.
مقتطفات أخرى
التصوف اسم لكل الاتجاهات التي زاد اعتناؤها بأبواب العمل الباطن، وتدور نصوصهم وممارساتهم حول القلب وعباداته وأمراضه، والنفس وتزكيتها وعيوبها، مع مبالغة في الزهد والتعبد وقطع الاشتغال بالدنيا؛ طلبًا لتصفية النفس ومعرفة الحق من طريق التقوى والعمل والعرفان.
وهذه الاتجاهات ظهرت بداية من القرن الأول الهجري في البصرة، ومن أعلامها الحسن البصري ومالك بن دينار، وحصل لها نوع تأثر بالزهد المسيحي الذي كان شائعا في البصرة، مع وجود مساحة حق كبيرة تتقاطع مع السلوك النبوي وهدي الصحابة.
ولم نصل إلى القرن الخامس الهجري حتى كان التصوف قد ترسخ في البنية الثقافية والمجتمعية الإسلامية وصار واقع الاشتغال الديني الإسلامي يقسم إلى:
النظر في أبواب العقائد نظرًا معرفيًا، وهذه وظيفة المتكلمين.
النظر في أبواب الأعمال والفروع وهذه وظيفة الفقهاء.
النظر في إصلاح القلب والجوارح، والعمل بالعلم الذي في القسمين السابقين، وهي وظيفة علماء السلوك والتصوف.
وصار لكل عالم معتقده الكلامي، ومذهبه الفقهي وطريقته الصوفية.
مع التطور التاريخي دخلت ثلاثة مكونات على هذه الصورة، قد تجتمع في اتجاه أو شخص وقد تفترق:
الأول: التأثر بالفلسفات الغنوصية وباتجاهات التصوف اليهودية والمسيحية والهندية والفارسية.
الثاني: التأثر بالمذاهب الحلولية بالتحديد من تلك الفلسفات السابقة.
الثالث: دخول الممارسات البدعية، ثم الوثنية والشركية وعبادة القبور ورفع مراتب الأولياء حتى تصرف لهم بعض العبادات التي يعد صرفها لغير الله شرك.
فصار التصوف بحسب اختلاطه بمكون أو أكثر على أربعة أنواع:
الأول: تصوف سني قريب جدًا من السلوك النبوي وهدي الصحابة والتابعين، فيه أنواع من المبالغة والتدقيق وطرف من الآراء والممارسات الخاطئة لكن تظل داخل دائرة الاجتهاد في طلب السنة لا يوجد فيها أصل بدعي وفق المفهوم الكلامي للافتراق عن السنة (الذي يشترط المخالفة في أصل كبير)، ومن أمثلته تصوف الحسن والمحاسبي والجنيد والجيلاني وابن الجوزي وابن القيم في بعض نصوصه.
الثاني: تصوف بدعي، فيه من طلب الحق والسنة الكثير لكن لا يخلو من بعض البدع كتدقيقات أوغل في العجمة وأبعد عن السنة من تدقيقات النوع الأول، وبدع في السلوك والعمل كالسماع والرقص والطرق والعهود ونحو ذلك، ومن أمثلته تصوف السلمي والقشيري والهروي والغزالي.
الثالث: تصوف شركي، وفيه ما عند الطائفتين السابقتين ويزيد عليه بدع القبور وشركيات الاستغاثة بالأولياء، ويوجد عند كثير من أعلام ما بعد القرن الثامن الهجري.
الرابع: تصوف فلسفي غنوصي باطني أو حلولي اتحادي، وهو أبعد مراتب التصوف عن مقالات الإسلاميين وكثير من أعلامه قيل بكفرهم، ومنهم السهروردي المقتول، وابن عربي، والرومي وابن سبعين.
في التحفة الفنية (Nightcrawler) يبني بطل الفيلم (لويس بلوم) رحلة تحول من لص صغير إلى صحفي تلفزيوني متخصص في تصوير الجرائم والحوادث في أول لحظات حدوثها..
يعرض الفيلم مقاطع ذكية لبلوم وهو يستمع إلى شرائط رواد التنمية الذاتية وأدبيات النجاح الأمريكية.
يبدأ بلوم في تطبيق هذه الأفكار في أبسط المواقف حتى تقوده الليالي لحادث على الطريق السريع وتنطلق منه رحلته في هذا المجال المهني، ويبدأ فيه تطبيق هذه الأفكار ويحرق في سبيل ذلك كل سفنه القيمية والإنسانية، وحش شره لكل ما يجعله أكثر كفاءة وأكثر شهرة وأكثر نجاحًا وأكثر مالًا، حتى يختم الفيلم أحداثه بتضحيته بمساعده المسكين من أجل تصوير حادثة موت لا يمكن نسيانها ولا نسيانه معها.
يقول لويس بلوم في سياق الفيلم: ((ما اؤمن به أن الأشياء الجيدة تحدث لأولئك المجتهدين فقط ، وأن أولئك الذين في القمة لم يسقطوا هنالك)).
المجتهدين في ماذا ولأجل ماذا والمضحين بماذا؟!
لا تملك هذه العجلة إجابات تعصم من توحش بلوم وأشباهه.
عجلة النجاح النيوليبرالية الرأسمالية التي تصب رصاصها في أذنك وتغشى بها عينك صباح مساء من الأنفلونسر ومتحدثي البودكاست= كلها شغل محدثين نعمة من دولة في قاع العالم الثالث عاوزين يحرقوا طبقات ويجروا لفوق بسرعة عشان يلحقوا لهم مكان في الكومبوند، يمصمصون أفواههم بثدي البقرة الرأسمالية التي يعبدونها كعجل السامري، بقرة المال والشهرة والجاه والكفاءة والنجاح الذي يدهس الحياة بقدميه.
هناك مشكلة كبيرة نعانيها كمجتمع مأنتخ قليل الفرص، وبيئة مهنية متردية، المتوسط فيه يعد متميزًا؛ لأن محدش بيشتغل على نفسه، مع ماسورة أعذار وعجز مكتسب لا تنتهي= لكن علاج ذلك لن يكون أبدًا عبر عبادة البقرة التي يجثو بين يديها صلاح أبو المجد وأشباهه.