أحمد سالم

أحمد سالم

أحيانًا كثيرة يأتي شخص ليشتكي ظلمًا بالغًا وقع عليه سواء من والديه أو من معلمه أو زوجه أو من السلطة التي تحكمه، إنه يئن تحت وقع مطارق ذلك الظلم.
في هذه اللحظة تبرز كتيبة المحامين المتطوعين:
 - بس دول أهلك برضه وياما تعبوا عشانك.
- معلش، من علمني حرفًا صرت له عبدًا.
- هتلاقي مضغوط في الشغل وانت اللي استفزتيه.
- ما انتم اللي شعب كسول، مش أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق.

في هذه اللحظة تتخبط الضحية في ظلمات الشعور بالذنب، فقد تكفل هذا المحامي بأن جعلها مجرمة مقصرة ناكرة للجميل..

يا معشر الناس، من عجز عن النصرة فلا يعجز عن المواساة، أما أخس السبل فسبيل أولئك الذين يجادلون عن الذين ظلموا ويختانون أنفسهم فيُلقمون المظلوم حجر الثرثرة الفارغة ذاك؛ كي يُخرسوا ألمه ويكبتوا شكايته.

مشاركة

مقتطفات أخرى

قال ابن البنا الحنبلي في كتابه: ((الخصال والعقود والأحوال والحدود))، (ص/107): ((وأصول الفقه ما تُبنى عليه مسائل الفقه؛ لأن بها يُتوصل إلى العلم لا بغيرها، ولا يُمكن النظر فيها إلا بعد الرياضة الطويلة بفروع الفقه)).
هذا النص العتيق النفيس يدلك على أمر شاعت الغفلة عنه في الكتابات المتعلقة بمناهج الأصوليين، وهو أن الذائع هو أن الحنابلة مندرجين في جملة المتكلمين الذين يوضعون في مقابل الأحناف من جهة أن المتكلمين يجردون النظر الأصولي بمعزل عن التفريع الفقهي وصنيع أئمة مذاهبهم، بعكس الأحناف الذين يستنبطون الأصول من صنيع أئمتهم في تأصيل الفروع الفقهية.
والحق أنه ما من مذهب من مذاهب الجمهور أحق من الحنابلة بهذا الوصف الذي وصفت به طريقة الأحناف؛ فإن الحنابلة يطيلون النظر في الفروع الفقهية وفي تصرفات وأجوبة الإمام أحمد ويجتهدون لتأسيس قواعدهم الأصولية بناء على هذا، وأظهر ما تجد من ذلك في كتاب القاضي أبي يعلى: ((العدة)).
وهذا لا ينفي وجود تحيز سابق لتقريرات المتكلمين يؤدي للانتقاء من كلام الإمام لدعم الأصل وليس العكس، لكن هذا لا يخلو منه حتى أصوليو الأحناف، وإنما المقصد هنا هو ظهور عمل الإمام أحمد كمقدمة لنظر أصوليي الحنابلة.
وقد قدمتُ بهذا كله لأدلك على إشكال عظيم في الدرس الأصولي الحنبلي المعاصر، ألا وهو الوقوع في أسر السلم الدراسي الشائع بلا مراعاة لخصوصية الحنابلة وبلا سعي لإحياء المدونة الحنبلية وإشاعة العناية بها.
فمتون وكتب الحنابلة إما مهجورة لصالح الورقات وجمع الجوامع والكوكب الساطع ومراقي السعود، وإما تشرح المدونة الأصولية الحنبلية بعبارة عامة أو مسلوخة من عبارة شراح الورقات وما يشبهها، فيخلو الشرح من حضور النص والعبارة المختصين  بالمدونة الأصولية الحنبلية نصوصًا وعبارة.
ولا شك أن العلم رحم بين أهله على اختلاف مذاهبهم، وأن سريان المادة العلمية بين المذاهب المختلفة شائع مألوف خاصة سريان مادة الشافعية عند باقي المذاهب، بل أكبر من ذلك سريان مادة المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي في كتابات الغزالي والرازي وأبي يعلى، وسريان مادة ابن الحاجب المالكي في أصول ابن مفلح، وكذا سريان مادة البرماوي الشافعي في شرح التحرير للمرداوي، لكن هذا الواقع العلمي التاريخي لا ينبغي أن يحول بيننا وبين إحياء المدونة الحنبلية سواء على مستوى المتون، أو على مستوى حضور عبارة الحنابلة ونصوصهم في شروح تلك المتون.

اقرأ المزيد

من هم الأشاعرة؟

العقيدة، أو التوحيد أو الإيمان، كلُّها أسماء لعلم واحد، والمفترض أن عناية هذا العلم من حيث الأصل هي بموضوعات الإيمان المذكورة في حديث جبريل: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره . فتعتني مباحث هذا العلم بشرح كل ركن من أركان الإيمان، والمسائل والأدلة المتعلقة بكل ركن .
وقد اختلفت الاتجاهات الإسلامة في تراثنا حول قضايا ومسائل هذا العلم، فنشأت فرق تقول في هذه القضايا بأقوال شديدة الضلال وهم: الخوارج  والرافضة والجهمية والمعتزلة.
ووقف في مجابهتهم السلف الصالح بداية من الصحابة فالتابعين وأتباعهم فردوا على شبههم بالوحي قرآنًا وسنة.

في القرن الثالث الهجري حصلت مواجهة عنيفة بين المعتزلة وهم أكثر هذه الفرق إنتاجًا وأعمقها بناء وبين أهل الحديث الذين رفعوا راية وراثة علم السلف من الصحابة فمن بعدهم، واستوى بصورة تامة مصطلح أهل السنة في مقابل تلك الفرق البدعية كلها.

ثم كان هناك رجل اسمه: عبد الله بن سعيد بن كلاب، أنشأ أقوالًا هي وسط بين عقائد وأقوال المعتزلة وبين أقوال أهل الحديث.
وتأثر بابن كلاب رجلان هما:
أبو الحسن الأشعري، وأبو منصور الماتريدي، وهما من أهل القرن الرابع الهجري.
وتبعهما اتجاهان علميان دان بهما كثير من علماء المسلمين منذ القرن الخامس الهجري وهما الأشاعرة والماتريدية.
وحاصل مذهب الاتجاهين الوارثين لطريقة ابن كلاب: أنه تقريرات في قضايا ومسائل الاعتقاد فيها اختيار لأقوال توسطت بين مذهب المعتزلة وبين مذهب أهل الحديث، وهذا التوصيف هو الصواب في الجملة ولكن يزعم بعض المنتسبين للاتجاهين أن الاتجاهين يتفقان مع أهل الحديث، وهذا في الواقع ليس صوابًا بل الصواب ما حققه ابن تيمية أن مذهب أهل الحديث مغاير لهؤلاء.

ووفقًا لتصور ابن تيمية الذي نرى صوابه في الجملة: 
في مسائل الاعتقاد هذه، طريقة أهل الحديث هي في الجملة طريقة الصحابة والتابعين وأتباعهم، وأما طريق الأشاعرة والماتريدية ففيها موافقات لطريقة السلف وفيها مخالفات هي حاصل عملية تلفيقية امتزجت فيها أقوال المعتزلة بأقوال الكلابية ببقايا من أقوال أهل الحديث، فأنتجت أقوالًا في مسائل صفات الله ومسائل القدر وبعض مسائل النبوات= مخالفة للنصوص القطعية ومخالفة لنصوص السلف وتقريرات أهل الحديث.
ومع قيام دول الباطنية والتتر امتزجت بعض تيارات الأشعرية والماتريدية بتصوف القبور والاستغاثة بالأولياء فدخل عليهما مكون خرافي شركي فيه إحياء للوثنية القديمة مع إلباسها لبوس الشرع.

فصار حاصل الخلاف مع الأشاعرة والماتريدية في ثلاثة مجالات:
الأول: قضايا الصفات والقدر والنبوات.
الثاني: مسائل التصوف الشركي والاستغاثة بالأولياء..
الثالث: مسائل متفرقة في بدع القبور والأضرحة وبدع التعبد والتعصب المذهبي.

ومجموع هذه الثلاثة هو ما شكل معالم الصراع بين السلفية المعاصرة والأشاعرة والماتريدية، وكلا طرفي الصراع قصر في أبواب من العلم والعدل وسياسة الخلاف، لكن هذا لا ينبغي أن يلفتنا على أن أصل الخلاف خلاف عظيم ومهم يتعلق بحقيقة فقه ما أتى به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
واعتقادي هو أنَّ طريقة أهل الحديث هي أصح الطرق في تحرير تلك الأبواب، وأنَّها من حيث الواقع أقرب الطرق لِـمَا تدلُّ عليه النصوص، ولِـمَا كان عليه صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ الخلاف في تلك الأبواب كثير منه لا يسوغ، وإن أمكن إعذار المخالف فيها والشهادة له بإرادة الحق من جهة الله والرسول لكنه أخطأ هذا الحق خطأ لا يبيح الوقيعة في قصده.

وهذا الخلاف والجدل حوله لم يعد هو نفسه مبحث العقيدة الموصوف في أول سطرين، بل هو فرع آخر من المعرفة هو علم الكلام، وهذا العلم ينبغي أن يكون الخوض فيه والجدل في موضوعاته خاصًا بساحات البحث ومتخصصي الباحثين، أما أن يسمى العقيدة وأن يمضغه أطفال التعلم في أفواههم ويجعلونه هوية للذات وقضية للعيش= فهو صورة أخرى من صور اختلال أولويات العلم والعمل.

اقرأ المزيد