أحمد سالم

أحمد سالم

يقول شيخ الإسلام: الاستعلاء على الناس إن كان بحق فهو الفخر، وإن لم يكن بحق فهو البغي.

تأمل هذا؛ يفجؤك أنك لو رأيت أنك أعلى من فلان لأنك أصبت حقًا لم يصبه ووفقت لطاعة لم يوفق إليها= فهذا فخر مذموم محرم، والله لا يحب كل مختال فخور.

فإن قلت: فما أفعل بحسنتي وسيئته؟

الجواب: تسرك حسنتك، وتتوجه بها نحو ربك لا نحو الناس تقيمهم بها، وتزن نفسك إليهم بفضلها.

وتسوؤك سيئتهم وترجو لو لم يفعلوا ، وتحب لهم الخلاص منها، وتُقدر أنه لهم ما يحبهم الله لأجله ويغفر لهم لأجله وأنك لستَ أرجى لفضل الله من أحد، ويزيد إنكارك ويعظم على المتجاهرين بالفسق والظلم لكنك تبقى لا تأمن مكر الله ولا تقلب القلوب بين يديه سبحانه وأن يعافيهم الله ويبتليك.

هذا ميزان الحق والطاعة حين يكونان لله لا للاستطالة على الخلق والعلو في الأرض.

مشاركة

مقتطفات أخرى

وغاية الله من خلقه هي أن نبذل جهدنا في الاتجاه الصحيح، ثم لا يحاسبنا الله على المسافة التي نقطعها وإنما يحاسبنا على صدق الطلب واتصال السير.

اقرأ المزيد

الله يقول: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين

إن المسلمين والناسَ كلهم في هذه الدنيا؛ لأنها دار بلاء، المصابُ منهم مبتلًى بالضرَّاء، والمعافى منهم مبتلًى بالرَّخاء مُمتَحَنٌ بالسرَّاء، كلاهما في اختبار، والعدلُ الرباني لا يُنظر إليه من جهةِ كفة الدنيا فحسب، بل ميزانه الدنيا والآخرة، فإذا أتيت على ربك يوم القيامة فلم تجده أعطى المحسِنَ أجرَ إحسانِه وزيادة، وعاقبَ الظالمُ المسيءَ بإساءته عذابًا مهينًا جزاءً وفاقًا= ساعَتها اسأل عن العدل الإلهي أين هو.

وقد كان فيما قدَّره اللهُ وقضاه في هذه الدنيا، أن رأينا أراذلَ الخلقِ يقتلون الأنبياء، وجُعل قتلُ نبيٍّ كريمٍ قُربانًا يتقرب به ملكٌ كافر لِبغيٍّ فاجرة.

وقد أخبرنا اللهُ في قرآنه عن ملكٍ لا يساوي فِلسين، وهو يَحفِرُ الأُخدودَ ليُلقيَ فيه المؤمنين، ولم يتصارخ خيرةُ المؤمنين هؤلاء يتسخَّطون أقدار ربهم؛ أن قد آمنا، فكيفَ يتسلَّطُ علينا من يعذبنا فيحرقنا؟!

ما يحدث ليس جديدًا أصلا، وإن الله لم يَخدِع الناسَ شيئًا، بل هو من حكى لنا أخبار الابتلاءات العظيمة التي وقعت بأوليائه، أفحسبتم أن تؤمنوا وأنتم لا تفتنون؟

على أي جوانبها تدورُ الرحى، فإنها لا تدور إلا لتُلقي برأسكَ على عتبةِ مولاك، صابرًا على البلاء، شاكرًا على النَّعماء، مستغفِرًا من الذنوب، مُطيعًا مفتقرًا ترجو رضاه والجنة.

والمؤمن يجعل بين عينيه قولَ السحرةِ لفرعونَ لَمَّا آمنوا فعذَّبهم:
﴿فَاقضِ ما أَنتَ قاضٍ إِنَّما تَقضي هذِهِ الحَياةَ الدُّنيا﴾ [طه: ٧٢]. 
وقولهم: ﴿قالوا لا ضَيرَ إِنّا إِلى رَبِّنا مُنقَلِبونَ﴾ [الشعراء: ٥٠]. 

إن ما حدث للسحرة مع فرعونَ من أظهر نصوص الوحي في فهم طبيعةِ الابتلاءِ وميزان الخير والشر، فهذه الدنيا وما يكون فيها ليست معيارًا للخير والشر، وليست مَيدانًا لتحقيق العدل الإلهي أصلا.

إن الله عز وجل يبتلي عبادَه ليرفعَ درجات الصابرين، ويزيدَ في عذابِ الظالمين، ويُمحِّص صَفَّ المؤمنين، ولِتُقامَ بهم الحُجّة على عذاب المجرم يوم القيامة، فلا يُشفِق عليه أحد، ولا يَعتذر عنه أحد، وليمتحن اللهُ بهم أمثالنا من المؤمنين: أيثبُتون أم يستزلهم الشيطان فيكفروا؟

أما المُبتَلون= فغمسة في الجنة تُنسي كل شقاءٍ كأن لم يكن، يَخلُقهم الله خلقًا آخر، هو ربهم وملكُهم، لولاه ما كانوا.

وهو سبحانه ذَكر لنا في مُحكم التنزيل خبرَ المؤمنين يُلقَون في أُخدود النار، ثم بيَّن النبيُّ ﷺ من ذلك موقفًا عظيمًا فيقول ﷺ: "جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌّ لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام يا أمّ اصبري، فإنك على الحق".

إن طائفةَ المؤمنين الذين أعدَّ اللهُ لهم جناتِ النَّعيم= يعلمون أن الدنيا وشرَّها كله يسير في مقابل جنةِ الخلد ونعيمٍ لا يَفنى، ونظرةٍ إلى وجههِ الكريم لا يَبقى في النَّفس بعدها شيءٌ غيرَ النعيمِ تذكره.

{إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}، من وعى هذه الحقيقة= نجَّاهُ اللهُ من مصير الذين خَسِروا أنفسَهم فصاروا يُحاسِبون الله على فعله، ويقضون عليه في خلقه.

اقرأ المزيد