أحمد سالم
إن البهجة الأولى التي لا تنسى ، تلك التي زودتني بها اللغة كانت في إكتشافي ” الكلمات البذيئة ” .
لابد أنني كنت في الثالثة أو الرابعة من عمري عندما سمعت ذات مرةٍ إحدى هذه الكلمات . عندما أعدتها و لفظتها بصوتٍ عالٍ لأثير إعجاب الجميع صفعتني أمي و قالت لي ألا ألفظ تلك الكلمة ثانيةً .
حسناً ، فكرت إذن توجد كلمات ثمينة لا ينبغي على المرء أن يلفظها بصوت عال! إن هذا ليس صحيحاً تماما. فقد كانت لي عمة عجوز، اعتادت أن تتكلم بهذه الطريقة ، حالما تفتح فمها. و كانت أمي ترجوها عندما تأتي لزيارتنا ألا تتكلم هكذا بحضور الأطفال ، و هو رجاء ما كانت تلتزم به .
إن امتلاك مثل هذه الشخصية و هذه السلاطة في اللسان في بلدٍ شيوعي كان عبئاً جدياً . كانت أمي تقول : ” سوف ندخل جميعاً السجن بسببكم ” .
ثمة لحظات في الحياة تصرخ طلباً للشتيمة الحقيقية ، حيث يفرض الشعور العميق بالعدالة الضرورة المطلقة لكي نشنع بأفظ لغةٍ ممكنة ، أن نهزأ ، أن نصب الشتائم ، أن ننثرها و أن نغلظ القول .
كتب روبرت برتون قبل زمنٍ طويل في ” تشريح الكآبة ” : “لا أريد أن يمنعني أحدٌ من ارتكاب هذا الخطأ .” إنني أوافقه الرأي .
فإذا كان ثمة ما أُريد توسيعه و إيصاله إلى الكمال فهو ذخيرتي من اللعنات .
ذات يوم سمعت إمرأةً مسنة في مكتب المساعدة الإجتماعية تصرخ : ” ماذا تريدون مني؟ دمي؟ ”
ظلت تصب لعناتها على الناس طيلة خمس دقائق أخرى، ليس لأنها كانت تتوقع الحصول على ما يمكن أن يزيل عنها الحيف الذي لحق بها ، و إنما لتشعر فقط للحظة قصيرة بأنها معافاةٌ و نقية .
تشارلز سيميك.
مقتطفات أخرى
هناك مرحلة ما في حياة الإنسان يسلك فيها منعطفًا خاطئًا يخالف قيمه، ولسبب ما يتفرع هذا المنعطف إلى شبكة من الطرق الخاطئة يتيه فيها الإنسان فلا يعود بعدها إلى الطريق المستقيم إلا من رحم، والمكون الثابت في تلك النماذج الإنسانية: هو القدرة غير النهائية للشخص على تبرير انحطاطه وسفوله، وعلى إلباس ضلاله ثوب الهدى، وجنايته لباس البراءة.
لأجل ذلك يعتبر البعض أن أعظم مشاهد مسلسل ((Breaking bad)) على الإطلاق هو مشهد أواخر الموسم الخامس حين يتخلص والتر وايت من طبقات التبرير الكثيفة التي استمر يغطي بها جرائمه عبر حلقات ومواسم المسلسل؛ ليصل للمرة الأولى لاعتراف واضح وصريح بالدوافع الحقيقة لتصرفاته، والتي ليست أبدا مصلحة عائلته أو تأمين مستقبل أولاده، وإنما وفقط هذا السبب: نفسه، أنه واجد حياته في ذلك، وأنه وجد فيما يفعله قيمة ترضي كبره وغروره، كان هذا واضحًا من قبل لمن شاهد بعناية كيف يُستفز غرور والتر وتتضخم أناه حتى كاد يفضح نفسه لمجرد أن نسب مخدره لصانع آخر أو لمجرد توهم زوجته أنه مجرد موزع حشيش بائس، لكن هذه المرة الاعتراف سيد الأدلة.
قدرة الإنسان اللامحدودة على التبرير الذي يداري به دوافعه الحقيقة، جهاز التأويل المعقد والضخم الذي يملكه كل منا؛ ويستطيع به أن يطمر شهواته ونزواته وتحكم نوازع السوء داخله في أفعاله، هذه المداراة وذلك الكتمان الذي يصل في تعقيده وتركيبه حتى يخدع به الإنسان ذاته أحيانًا.
ولا يزال الولع بفكرة التطهر بالاعتراف مسيطرًا على صانع والتر وايت وسول جودمان، فنرى في خاتمة جودمان مشهد اعتراف آخر، حتى قرب نهاية الحلقة لم تكن بوادر الاعتراف تلوح في الأفق، مشهد مايك (فلاش باك) لا يرى سول أن هناك ما يندم عليه أو يود تغييره في ماضيه على عكس مايك الذي يود محو تجربة أول رشوة أخذها في حياته لأنها هي بداية المنحدر الزلق.
مشهد والتر وايت (فلاش باك) فيه ندم يناسب والتر في مرحلة المشهد، ندم على أنه قد خُدع ونزع منه استحقاقه، أما سول فيندم على أنه انزلق في اللعب فأصاب نفسه.
ثم ينتهي كل هذا باعتراف لم يُمهد له ظاهريًا، وربما يرى البعض أنه لم يُمهد له بالكلية.
بقطع النظر عن الصفات والصور الخاصة= يملك الاعتراف بالخطأ قداسة كبيرة في معظم الأديان والثقافات.
في الوحي المحفوظ والكتب المحرفة، في أعمال الفنانين ونصوص الأدباء وأفكار الفلاسفة وحتى في السرد السينمائي= لا أكاد أحصي كيف تٌسبغ الجلالة على كل واقعة يتخلى فيها الإنسان عن قدراته التبريرية ليقف معترفًا بخطئه عاريًا من كل لباس زور اعتاد أن يٌجمل به أخطاءه.
تاريخ الإنسانية كله يمكنك أن تقرأه من زاوية هذا التقابل: ذنب إبليسي مغلف بالتبرير والمكابرة والنكران، وذنب آدمي غسله الإقرار والندم وطلب الصفح والغفران.
المكابرة الشخصية وعدم الاعتراف بالنقص والعيب مريح للإنسان، ومواجهة الذات والصدق معها والإقرار بنقصها وعيبها وقبح فعلها مؤلم جدًا، ولولا أن الإنكار مريح والصدق مؤلم= لما كان هذا هو حالنا وحال الناس.
وقد أيقنت أن من أعظم الرزق أن يرزقك الله القوة على الصدق مع نفسك، وأن يعينك على احتمال السوء الذي ستراه منها، وأن يدلك على الطريق الذي به وحده تحصل المداواة، أن ترفق بتلك النفس وترحم ضعفها وتفهم السياقات التي أدت بتلك النفس لحالها الذي تكرهه منها، ثم تسأل الله الإعانة بحوله وقوته، وتأخذ بيد نفسك، فتصيب مرة وتغلط أخرى، وتقوم مرة وتسقط أخرى، وتقطع الأمل في الناس إلا من ناصح صادق ومحب مشفق، وهم قلة لا تكاد تجد منهم أحدًا؛ فإن الناس لا يسترون عورة ولا يشكرون خيرًا إلا من رحم الله، ولو تركنا الله لمدح الناس وذمهم لهلكنا، ولكنه علمنا سبحانه أنه وحده حمده زين أهل أن تتزين به، وذمه شين أهل أن تخشاه وتفر منه، ثم إنه سبحانه لا يحاسبنا إلا حساب كريم يرحم مقام الضعفاء الذين لا يجدون إلا جهدهم.
اللهم إنك تعلم أن كلامي هذا لم أكتبه إلا ألمًا من ضعف نفسي ونقصها فارحمني وأعني.
كان فيه حد كتب بوست إن وهو بيختار موظف عنده بيدخل صفحة الفيسبوك عشان يقيم شخصيته وممكن يرفض توظيفه بناء على ده.
كعادة السوشيال ميديا اتهرى شتيمة، وهري كتير عن الحرية الشخصية وانت ليك شغلي والجو ده، أنا معرفش الشخص، ومعنديش مشكلة إنه ممكن يكون شخص بيستخدم الفكرة بطريقة غلط، لكن اللي عاوز أقوله:
الشخصية، السلوك القيمي والأخلاقي، طريقة التفكير، الاتزان النفسي، طريقة التفاعل الاجتماعي، جزء لا يستهان به من الخيارات الحياتية= حسابات السوشيال ميديا تكشف بعضًا من ذلك بشكل لا يستهان به (وفيه ناس بتعرف تتزين وتخدع) لكن فيه ناس واخدة راحتها عادي، الناس دي كنز.
كمدير كخاطب كمخطوبة كأي حد بيحاول يدخل علاقة مهمة مع حد، اهتم بحساباته، ممكن ما تتعلمش عنه حاجة منها، لكن ساعات كتير بتتعلم منها كتير وبتساعد في اختيارك لشخص يناسب قيمك وثقافتك، مفيش حاجة اسمها المهم شغله، واحد بيقول للي بيعلقوا عنده غور من هنا ياض يا فلاح، خشي المطبخ يا بت يا حائض، البت اللي مش محجبة دي احلقوا لها شعرها، الأطفال اللي في درس دين دول مشروع إرهابيين= الأشكال دي لا توظفهم ولا تتجوز منهم ولا تشاركهم ولا تعرفهم وعلى ذلك فقس.
السوشيال ميديا كنز، تحتاج لمستكشف ذكي ولحذر في الفرز ولاحتياط من المتزينين= لكنها كنز لا يتجاهله ويتجاهل الاستعانة به في الفرز والتقييم إلا شخص لا يعرف الناس.
واللي يتجاهل دور الثقافة (كيف ترى العالم وتفكر فيه) والقيم في التوظيف= فده في الحقيقة مش فاهم تداعيات التباينات القيمية على ثقافة المكان وصورته، وأكيد كلامي هنا عن أخلاقيات المهنة والقيم المتصلة بثقافة المكان مش مجرد اختلاف الآراء أو التوجه الفكري أو السلوكيات الشخصية العادية، وواحد بينشر كوميك.
الشركات العالمية فصلت موظفين بناء على تعليق على تويتر فادعاء إن أسس التوظيف لا تسمح بذلك عبارة عن مغالطة بس.